يتساءل أحدهم ما حاجة الناس لمعرفة ما إذا كانت العزيمة تُلمس باليد كما الأشياء، فيكفي أن ترى مشهد الألوف من المواطنين يتجمعون على طول حدود فاصلة ما بين قطاع غزة وأراضيهم المحتلة عام 1948، ليدرك الناظر أن ميلاد العزيمة نبع من نفوس هؤلاء الشبان دفاعاً عن أرضهم ورفضاً للتخلي عنها بأي ثمن كان.

في مشهد كهذا تدرك أن فلسطين وطن يليق بأبنائه فيستحث خطاهم الواثقة نحو التحرر، أطفال ونساء وشبان وشيوخ خرجوا على قلب رجل واحد بعد أن أثقلهم حنين الوطن، فزاد ذلك من غيظ محتل لم يكف لحظة عن جعل مناطق التماس هذه مناطق محفوفة بالمخاطر والدم ورائحة الغاز المسيل للدموع.

حالة جديدة تتضمنها المسيرات وهي وجود الباعة المتجولين الذين يبحثون عن مصدر رزق لهم من خلال بيع المشروبات وبعض المأكولات، كما الباحث عن إبرة وسط كومة قش!

واثقاً كسنديانة لم تأنّ ولم تنحنِ هكذا يبدو الشاب محمد النجار (27 عاماً)، وقد اتخذ من هذه المظاهرات السلمية سبباً لجلبه الرزق له ولعائلته، يقول في معرض حديثه: «وجودي هنا في المظاهرات كان لسببين فإضافة لكوني أبيع على هذه العربة المشروبات الباردة فتكون مصدر رزق لي ولعائلتي.

فإنني أيضاً أقف هنا كل جمعة حالي كحال المتظاهرين الذين جاؤوا هنا للمطالبة بالعودة لأراضيهم المحتلة»، ويضيف: «ظروف الحياة الصعبة التي نعيشها هنا في قطاع غزة هي التي دفعتني للبيع عبر هذه العربة، مظاهر من الفقر والتعاسة نحياها في غزة لكنها لم تثننا لا عن الكفّ عن مواصلة البحث عن مصدر لقوت يومنا ولا مواصلة الدفاع عن أوطاننا للعودة إليها».

لقمة تفوح منها رائحة الدم أو كما يشاع بين الناس هنا «لقمة مغمسة بالدم»، الشاب مدحت الصواف (27 عاماً) وقد أصيب أكثر من مرة بقنبلة غاز أدت لفقدانه الوعي، وهو يتمركز على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، يقول في معرض حديثه لـ«البيان»: «تخرجت منذ حوالي خمس سنوات ولم أحصل على فرصة عمل تمكنني من الاستقرار وتكوين أسرة .

كما حال باقي الشباب، كنت أعمل قبل ذلك على عربتي هذه لبيع الذرة والمشروبات الساخنة من قهوة وشاي متواجداً في الأماكن المزدحمة كالأسواق والمنتزهات وعلى شاطئ البحر في أيام فصل الصيف، ويمضي قائلاً: «الناس هنا على الحدود متجمّعون طوال الوقت ليس في أيام الجمعة فحسب، فصرت أرتاد الحدود مستغلاً وجود هذا الكمّ من الناس لأبيع لهم القهوة والشاي فأعود لمنزلي ومعي ما يكفيني لسد حاجتي».

لذا فقد طال هؤلاء الباعة بعض من النقد انطلاقاً من الحرص على حياتهم، حيث عبر الناشط الشبابي مصطفى بركة عن ذلك بقوله:

«أنا شخصياً لا أؤيد وجود هؤلاء الباعة في المظاهرات لا لشيء سوى أنهم يعرضون حياتهم للخطر إلى جانب هؤلاء المتظاهرين، فنحن في غنى عن مزيد من الضحايا لاسيما أن العديد منهم قد أصيب بإصابات مختلفة ما بين إصابات بالغاز ورصاصات حية، في ظل وجودنا أمام محتل غاشم لا يفرق ما بين متظاهر وبائع على عربته».

هي الشعوب حين لا يساورها القعود ولو مرة، فتتسلل بحثاً عن لقمة عيش وسط أجواء ممزوجة برائحة الدم والغاز علها توقظ في نفوس المعنيين دموعاً حانية عبر عنها هؤلاء الفقراء أثناء تواجدهم للبحث عن قوت يومهم وسط هذه الأجواء المحفوفة بالمخاطر.