فرضت التطوّرات الدبلوماسية والعسكرية، ذات الصلة بالاتفاق النووي الإيراني ودور إيران في سوريا، نفسها بنداً إضافياً على الاهتمامات المحلية، في ضوء تصفيات الخلافات الانتخابية، وفي ضوء عرض العضلات السياسية تمهيداً لاستحقاقات ما بعد الانتخابات النيابية، حيث أعلن الرئيس ميشال عون، في رسالة للبنانيين، أنه يعتزم الدعوة لطاولة حوار وطني تبحث استكمال تطبيق اتفاق الطائف من دون استنسابية أو انتقائية. على أن الأخطر هو ما يواجه هذه الانتخابات من طعون، حول التزوير والتلاعب ببعض الصناديق وتجاهل الالتزام بالإجراءات القانونية وانعدام الشفافية.
ومع الرياح التي بدأت تهب من الخارج، خصوصاً مع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء مفاعيل الاتفاق النووي مع إيران من جانب واحد، برز إجماع داخلي على أهمية أن يعيد جميع أهل السلطة والمعارضة النظر في حساباتهم، وطيّ صفحة الانتخابات بأسرع وقت ممكن، تحسباً لما ينتظر لبنان والمنطقة، وربما العالم، من استحقاقات داهمة في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة.
في غضون ذلك، تبدأ عملياً مرحلة الانتقال إلى الدخول الجدّي في مدار الحصانة النيابية اعتباراً من 20 الجاري، حيث تبدأ ولاية المجلس الجديد، وإلى الخطوات فيه، وهي انتخاب رئيس المجلس، والذي يبدو محسوماً هو إعادة انتخاب الرئيس نبيه بري، على أن يلي ذلك انتخاب أعضاء هيئة مكتب المجلس، إضافة إلى تأسيس مطبخه التشريعي المتمثل باللجان النيابية الدائمة.
واعتباراً من اللحظة الأولى لولاية المجلس الجديد، تدخل حكومة الرئيس سعد الحريري مرحلة تصريف الأعمال، ويدخل البلد بعدها في رحلة الألف ميل لتشكيل الحكومة الجديدة، وهو أمر بدأ النقاش حوله منذ الآن، وثمّة تساؤلات وعلامات استفهام تُرسَم عمّن سيكون رئيس الحكومة الجديدة، على رغم أنّ المؤشرات ترجّح عودة الحريري.
وسيُدعى فوراً إلى الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة الجديدة، وهو بالتالي أمر ميسّر مع تكليف الرئيس الحريري، على أن مشوار تشكيل الحكومة، وتبعاً للخريطة النيابية الجديدة، يُضاف إليها التشنّج السياسي الحاد، سيكون طويلاً جداً، وفق توقعات مصادر معنية.
ورأت هذه المصادر أنه من المبكر الحديث عن الحكومة قبل انتخاب رئيس المجلس وتسمية الرئيس المكلف وإجراء الاستشارات النيابية الملزمة، وأشارت لـ«البيان» إلى أن هذا الأمر يحتاج إلى نقاش وفق المقاييس السياسية والدستورية والأعراف، ذلك أن ما أفرزته الانتخابات النيابية من نتائج ستفرض نفسها حتماً على عملية تأليف الحكومة. كما أوضحت أن لبنان، ونظراً للأوضاع المحيطة به، يحتاج لتحصين نفسه بحكومة جامعة وقوية.
مع الإشارة إلى الكلام الذي بدأ يتردّد، وهو بمثابة «ربط نزاع» حول الحقائب السيادية، ولا سيما منها حقيبة المال، إذ أعلن الرئيس بري أنها للطائفة الشيعية، ورد عليه رئيس الحكومة أن «الأعراف ترتبط بالرئاسات لا بأيّ وزارة». و«ربط النزاع» هذا سيجعل تشكيل الحكومة الجديدة مسألة ليست سهلة، إلا إذا كان القرار تشكيل حكومة بسرعة لمواكبة الاستحقاقات.
ترقّب
إلى ذلك، بدأت الأوساط السياسة تترقّب طبيعة المرحلة الجديدة التي فرضتها نتائج صناديق الاقتراع، في ظل وضع سياسي مأزوم، إذ بدأت ترتسم في المشهد السياسي ملامح مؤشرات، من أبرزها تحالفات وتكتلات ما بعد الانتخابات، فهناك ثنائية «المستقبل» و«التيار الوطني الحرّ»، والثنائية الشيعية، وقد تولد ثنائية ثالثة تضم أكثر من كتلة، بما يحدّد طبيعة «المخدة» السياسية التي سيضع البلد رأسه عليها في السنوات الأربع المقبلة. وذلك، وسط توقعات تشير إلى أن الصورة السياسية لما بعد الانتخابات ستكون «رمادية» بامتياز.
