من بين جموع المتظاهرين شرق غزة قرب خيام العودة، لم يختر رصاص جندي للاحتلال غير طفل يافع محمد أيوب «13 عاماً» لينهي حياته برصاصة في رأسه، في مشهد هز العالم وعرّى حقيقة جنود الاحتلال الذين يزعمون أنّ المصابين هم ممن يلقون الحجارة.

اقتنص رصاص الاحتلال محمد من بين الجموع خلال هروبه من الغاز الذي ألقاه الجنود على المتظاهرين، لروحه المرحة بتنقله من مكان إلى آخر في المخيم، يعيش في أسرة فقيرة لم توافق له المشاركة في مسيرات العودة إلّا بعد كثير إلحاح فلبس أجمل ثيابه كأنّه يعلم أنّه ذاهب إلى الخلود.

جملة واحدة قالها والد الشهيد حين احتضنه داخل ثلاجة الموتى في مستشفى الشفاء، هزّت مشاعر الأطباء قبل الحضور، ليصاب الجميع بالخرس وتنهمر الدموع من الحضور حول جثمان الشهيد الطفل.

«سامحني يابا ما قدرت أجيب لك أكل من شهر»، جملة تردد صداها في مستشفى الشفاء، وخرجت من بوابته وتجولت في أنحاء العالم، بكل ما تحمله من قهر ومعاناة للشهيد وأسرته، التي لم تتذوق طعم الحياة بعد فقدان الطعام من بيتهم لأيام طويلة. لقد هزّ مشهد استشهاد محمد مشاعر الملايين بعد انتشارها على مواقع التواصل، وخيّم الحزن على مخيم جباليا مسقط رأسه، وشارك الآلاف في تشييعه إلى المثوى الأخير. رحل محمد ابن الصف التاسع الإعدادي في مدرسة جباليا، تاركاً مقعده المدرسي، ليبقى ذكرى بين أصدقائه وعائلته، ووقف الطلاب في طابور الصباح دقيقة حداد على روحه الطاهرة.

بشاعة احتلال

مشهد استشهاد محمد أمام المئات يؤكد أن قوات الاحتلال تستهدف المدنيين والأطفال، وليس لديها من خطوط حمراء، فقبل استشهاده شيّع سكان قطاع غزة الشهيد الصحافي ياسر مرتجى، حيث كان يرتدي خوذة ودرع الصحافة، وفي يوم استشهاده أصيب الصحافي أحمد أبو حسين، وشُيع فيما بعد استشهاده متأثراً بجراحه. يقول والد الشهيد إنّ ابنه محمد استغل يوم الإجازة المدرسية للتوجه إلى مسيرات العودة، وإنّه وافق له تلبية لرغبته، على أن يعود في المساء مع أقاربه، إلّا أنّه عاد في المساء محمولاً على الأكتاف.

وتساءل والد الطفل: «ما هو ذنب طفل توجه للمشاركة في مسيرات العودة، ما هو ذنب طفل توجه ليعرف حقيقة الاحتلال، ويشاهد الجنود الذي يغتصبون أراضينا المحتلة»، مطالباً بمحاسبة جنود الاحتلال الذين حرموا طفله من العيش بأمان مع أسرته.