في إطار التخبط الذي تعاني منه، والمأزق الذي وضعت نفسها به، وبدلاً من العودة إلى الصواب والالتزام بأحكام العلاقات الدولية، وتسوية أزمتها مع جيرانها وأشقائها، تواصل قطر سياسة الهروب إلى الأمام، وفي ابتكار جديد لها قررت نقل تبعات أزمتها مع دول الجوار إلى منطقة القرن الأفريقي، وهذه المرة إلى الصومال.
ليس سراً أن الدوحة تأوي عدداً من قيادات حركة الشباب الصومالية- المصنفة كجماعة إرهابية، ومن بينهم المدعو محمد سعيد أتم، الرجل الثاني في الحركة التي تتحمل مسؤولية ارتكاب عشرات الجرائم الوحشية والمجازر بحق الصوماليين البسطاء، فضلاً عن اغتيال عدد كبير من الشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية.
وتشهد منطقة الساحل الأفريقي نشاطاً قطرياً يعكس عقدتها الداخلية في إظهار نفسها كدولة إقليمية، رغم صغر حجمها الذي لا يتجاوز أحد أحياء مدينة الرياض.
وقد تحول الصومال إلى فريسة جديدة لأطماع حكام الدوحة في القارة الأفريقية. ولم يتوقف الأمر عند قيام الدوحة باستغلال الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب الصومالي.
وتجنيدها أعداداً منهم لقاء حفنة من الدولارات لزيادة عديد قواتها المسلحة، بل عملت ولا تزال على اختراق الفضاء السياسي والعسكري والأمني والإعلامي في هذا البلد، للتأثير على قراره السياسي والمزاج العام فيه، وفق الطريقة المتعارف عليها لدى حكام قطر في شراء الذمم، التي طالت مسؤولين حكوميين كباراً، كما أصبح معروفاً.
وقام «تنظيم الحمدين» بتشكيل شبكة واسعة من «المرتزقة» في كافة مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، لم تسلم منها حتى الجامعات والمعاهد والمراكز الثقافية. ولم تتردد الدوحة- كما هي عادتها، ووفق تقارير محايدة- في تمويل أطياف التطرف كافة في الصومال سواءً حركة الشباب أو جماعة الإخوان، وغيرها من الحركات التي خرجت من نفس الرحم.
فيما يبقى السؤال مشرعاً عن أسباب سكوت السلطات الصومالية على ما يجري على أراضيها، وانقلابها المفاجىء وتنكرها لوقوف الإمارات إلى جانبها في أكثر من ملف، كالتدريب والإغاثة وإقامة مؤتمرات الدعم للصومال، والتصدي للقراصنة، فضلاً عن المساعدات في الجوانب الإنسانية والصحية والتعليمية والأمنية وغيرها.
الخبير المعروف في الشؤون الأفريقية أبو بكر الأنصاري، رأى أن قطر تشن عبر وسائل الإعلام التابعة لها، حملة لتشويه الدور الإنساني الإماراتي في الصومال، والتخويف منه، والإيحاء بشكل ينافي الواقع، بأنها تسعى للتأثير على مراكز صنع القرار فيها.
وحذر الأنصاري من أن تبعات التدخل القطري في الصومال ستؤدي لوقوع هذاالبلد في صراعات أهلية طويلة قد لا تنتهي، لا سيما على ضوء هيمنتها وإيوائها لعدد من قيادات تنظيم الشباب- النسخة الصومالية لتنظيم القاعدة الإرهابي.
وأضاف أن سياسة قطر لم تتوقف عند اتباع أسلوب المماحكات ونقل معاركها وتصدير أزماتها إلى مناطق أخرى في العالم، بل تضع كل ثقلها للإضرار بعلاقات ومصالح دولة الإمارات، وغيرها من بلدان المقاطعة في القرن الأفريقي، وتزوير الحقائق وتشويه حقيقة الدور الإماراتي، وإظهاره وكأنه يربط الدعم الإنساني بمواقف سياسية.
وسيراً على أسلوبهم المعروف في إقحام الدين، واستغلاله في منظومة أهدافها الخبيثة- والكلام للأنصاري- لجأ حكام الدوحة للإتيان ببعض علماء الدين في الصومال، وتحت مظلة هيئة علماء المسلمين التي يقودها يوسف القرضاوي، ووضعتهم في أتون ماكينتها الإعلامية، لإعطاء نفسها شرعية التحكم بالإسلام السياسي وفق منظورها الشاذ، وبكل ما يضمنه من رعاية ودعم لحركات إرهابية شاذة، وخارجة عن القانون.
ورأى أن ما تقوم به قطر في الصومال هو نسخة طبق الأصل لما ارتكبته في ليبيا، التي ما زالت ترزح تحت الفوضى وانفلات الميليشيات الإرهابية، التي بدأت مؤامراتها في هذا البلد بتقديم نفسها الحامي والصديق والمعين للشعب الليبي.
ولكن، ورغم ذلك، استبعد الخبير الأفريقي أن يستمر وقوع هذه البلدان تحت رحمة الدور التخريبي القطري، لأن شعوبها أصبحت تدرك الأهداف الحقيقية له، ونتائجه الكارثية.
