«ما دام الزرع واقفاً، ما دامت الحصيدة ماشية.. ويمكن وقت منموت، بتنحلّ قصتنا».. عبارة واحدة تردّدها «أم سلمان» (90 عاماً)، من أوائل مهجّري مخيم «تلّ الزعتر»، التي أجبِرت على العيش في «جمهورية الجناح» المستقلّة بتجاوزات «قبضاياتها المدعومين»، القائمة في قلب بيروت.
وتحديداً في البقعة الجغرافية الممتدّة على بعض طول الطريق البحري منها والمتاخمة لمحلّة الأوزاعي، التي تبدو وكأنما الحرب بالكاد وضعت أوزارها فيها.. وفي الأسماء تكمن الحكاية التي تعود فصولها إلى عام 1976، مع نشوب الحرب الأهلية اللبنانية التي أدّت إلى مسح أربعة مخيّمات للفلسطينيين من على الخريطة (تلّ الزعتر، النبطية، الدكوانة، وجسر الباشا).
يومها، أجبِرت «الختيارة» الفلسطينية على مغادرة ما كان يُسمّى «بيروت الشرقية» إلى هذا المكان الذي كان آنذاك ينتمي إلى «بيروت الغربيّة». تتحدّث بإسهاب عن المخيّم الذي تأسّس عام 1949 في المنطقة الشرقية - الشمالية من بيروت على مساحة كيلومتر مربّع واحد، وتتحسّر:
«يوم أسود وحزين كان يوم سقوط تلّ الزعتر»، بعد حصارٍ استمرّ 52 يوماً، و«دكّته» خلال ذلك أكثر من 55 ألف قذيفة، وكانت حصيلة المذبحة 4280 قتيلاً غالبيتهم من المدنيين والنساء والأطفال وكبار السنّ، إلى أن انتهت المعركة يوم 12 أغسطس 1976 باحتلال المخيم، وبعد ذلك وصلت الجرّافات وأزالته.
الهجرة
ومن ذاكرتها الملأى بقصص «لا تُنسى» عن هجرتها من فلسطين إلى بلدة بنت جبيل في الجنوب اللبناني أولاً، ثم إلى قرى جنوبية أخرى فمخيم تلّ الزعتر، قبل الانتقال الى «جمهورية الجناح»، تكمل حديثها بالإشارة إلى دور التهجير «القسريّ» من حيث كان الوضع «عالسكّين يا بطّيخ»، وفق تعبيرها، إلى حيث المأساة والفقر و«التعتير».
وهكذا «وراك وراك، والزمن طويل وبعدو الحبل عالجرّار»، مختصرةً صورة المكان «البائس» الذي أجبِرت على العيش فيه منذ ما يزيد على الأربعة عقود بعبارة واحدة: «عايشين هون من قلّة الموت. بواب مسكّرة، وهموم مغلّقة».. ترتشف قهوتها ، ثم تميل إلى الأمام كمن لديها سرّ خطير: «هيدي المنطقة إلها دور أساسي بالسياسة».
..والسياسة في الحسبان
ما أن تطأ قدماك هناك، حتى تُدرك أن السياسة تسرّبت بطريقة أو بأخرى إلى بعض البيوت، وحرمت أصحابها من المساعدة التي تقدَّم على سبيل تعويضات.. فالحيّ يشهد ازدواجية سياسية بين حركة «أمل» و«حزب الله» من جهة، وتيار «المستقبل» من جهة أخــرى..
وعندما يحلّ موسم الانتخابات النيابية، ترى «السياسيّين يتسابقون هنا.. واحد جايي وواحد رايح»، وفق تعبير «أم سلمان»، التي لا تتردّد بوصف «ضيوف المواسم» قائلةً بأسى: «يأتون وعلى وجوههم ضحكات صفراويّة، وفي أفواههم عبارة: إنتو أهلنا.. وبيفلّوا»!
«أشباه بيوت» متلاصقة ببعضها البعض وقد عفا عليها الزمن، يذيع صيتها في الأزمنة الصعبة، في أحياء وزواريب تضمّ خليطاً من المتناقضات ما يجعلها أقرب إلى «قنبلة موقوتة» تتطاير شظاياها مع كل أزمنة عابرة.
هنا، تتشابك حبال الغسيل مع «قساطل» (إمدادات) المياه التي تمتدّ فوق رؤوس المارة لتصل إلى البيوت. قد يصدف أن تلتفّ كابلات الكهرباء على «قسطل» المياه، وقد تكون تمديدات الكهرباء بين أقدام المارة، لا فوق رؤوسهم.
وداخل هذه المساحة، تتداخل الحياة اليومية مع تشابك المنازل، ويصبح الزقاق المليء بالشعارات السياسية، لا سيما منها المتعلّقة بحق العودة والانتفاضة، والمغطّى بصور قادة الفصائل والشهداء، جامعاً في الوقت عينه رائحة الطعام وصوت مولّد كهربائي يختلط بنداءات بائعين متجوّلين..
ولا بأس إن كان ذلك مترافقاً مع صوت السيدة فيروز يتصاعد من نافذة مفتوحة، «بيقولوا الحب بيقتل الوقت، بيقولوا الوقت بيقتل الحب».. فهل يقتل حبّ العودة وقت الانتظار، أم يقتل وقت الانتظار حب العودة؟!
