كثيرة هي تعابير الحزن والأسى التي تقرؤها في وجه طفل يافع وجد نفسه بين ليلة وضحاها بساق واحدة.. يتحسّس غلبه في كابوس مفزع ليأتي الجواب سريعاً إنّها «الحقيقة المرّة».

هذا قدر أطفال فلسطين على يد الاحتلال وبطش رصاصه وعبدالرحمن أحدهم ومعه آلاف الضحايا القاسم المشترك في كل حكاياتهم تجبّر الاحتلال وإدمانه تعذيب الفلسطينيين لا فرق بين طفل وشيخ رجل وامرأة، علّ الكل ينسون القضيّة والأرض المحتلة عبر هذا الردع الهمجي عن أنّ لهم أرضاً ووطناً يحلمون كل لحظة باسترداده.

عبد الرحمن نوفل ذو الـ 12 عاماً وحيد أمه وأبيه، ذهب للمشاركة في مسيرة العودة المقامة على حدود قطاع غزة كل جمعة، فاستهدفته قناصة الاحتلال بصورة مباشرة أثناء تواجده في التظاهرة السلمية شرق البريج، على بعد أكثر من 200 متر من السلك الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة.

لم يتوان جيش الاحتلال القابع على الحدود خلق سواتر رملية لن تقيه غضب هؤلاء الشبان المتظاهرون مطالبين بحقهم في العودة، من استهداف عبد الرحمن برصاصة متفجرة في ساقه أدت إلى حدوث تهتك واضح في العظام وتقطع للشرايين، الأمر الذي جعل ساقه مهددة بالبتر إذا لم يتم معالجتها على وجه السرعة.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، ألم جديد تعرّض له عبدالرحمن وهو ينتظر سماح سلطات الاحتلال بإصدار إذن طبي يسمح له بالمغادرة لتلقي العلاج في محافظات الضفة الغربية، إلّا أنّ الاحتلال وكعادته ماطل وبشكل متعمد في إصدار الإذن، الأمر الذي فاقم من حالة ساق عبد الرحمن وبعد محاولات كثيرة من الهيئة العامة للشؤون المدنية وبتدخل شخصي من رئيس الهيئة العامة حسن الشيخ ووكيل الهيئة أيمن قنديل ومناشدات حثيثة من ذوي الطفل والمعنيين سمحت له بالمغادرة القطاع مع جدته فقط عبر حاجز بيت حانون لتلقي العلاج هناك. وكان الوقت أسبق من إنقاذ ساق عبدالرحمن فقد أدّى تماطل سلطات الاحتلال إلى تدهور خطير على ساقه ما أدى في آخر الأمر لبترها.

حسرة

والد الطفل عبد الرحمن نوفل عبر عن حزنه الشديد بقوله: «لا أدري ماذا يمكن أن أقول بعد بتر ساق ولدي إسرائيل لا رحمة عندها ولا أخلاق، لو تم تحويل عبد الرحمن لتلقي العلاج بصورة أسرع مما كانت عليه كان من الممكن إنقاذ ساقه، لكن إسرائيل كانت متعمدة في عدم إصدار الإذن في وقتها المطلوب وكانت هذه النتيجة».

تفنّن

ومنع الاحتلال أم الطفل من الذهاب معه للمستشفى الاستشاري العربي بالشكل الذي يتفنن فيه في كيفية تعذيب هؤلاء الجرحى، فأي طفل لا يحتاج أمه في مثل هكذا ظروف قد تكون الأصعب عليه، ليس عبد الرحمن وحده فآلاف المرضى والجرحى في غزة ينتظرون إصدار الأذونات الطبية الخاصة بهم لتلقي العلاج في المحافظات الشمالية، دون أن تكف إسرائيل عن تخفيف وطأة هذا الحصار قليلاً عن أهالي غزّة.

بترت ساق عبد الرحمن لكن الإرادة فيه وفي آلاف الجرحى لم تبتر بعد، فالشمس تذهب لتستريح في مخدعها ما إن حل الظلام، وشبان فلسطين لا راحة لهم إلا حين أن تحل العودة ويستريحوا في أوطان هجروا منها قسراً.