المشهد على المنطقة الفاصلة بين شباب غزة وجيش الاحتلال الإسرائيلي يمثّل معانقة هؤلاء المتظاهرين لأحلامهم في العودة حين يشعلون لها إطارات الكاوتشوك ويرفعون العلم الفلسطيني، مخترقين جداراً للصمت تآكل أمام العالم دون أن ينتصر لحق هؤلاء اللاجئين إلا أنفسهم. وكما القناصة متمركزة تقذف بلهيب نيرانها موتاً يفتك بأرواح شبانٍ عُزل، ثمة قناصة سياسة يخلطون الأوراق بفوضوية عابثة بمكونات المشهد الأصلي لتجعل من هذه المسيرات فرصة لاقتناص الأحداث وطرح مطالبها المتمثلة بفك الحصار وفتح المعابر وإلى ما ذلك من مطالب من شأنها أن تعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في قطاع غزة.

المطالب الإنسانية هذه حق للغزيين الذين ما طاب لهم عيش منذ أكثر من أحد عشر عاماً من الحصار، إلا أن زج مطالب فك الحصار ضمن مطالب الحق بالعودة ما هو إلا قفز لئيم على المشهد من شأنه أن يطفئ قناديل هبة شعبية خالصة نبعت من وعي جماهيري بعيداً عن حيثيات السياسة وغنائمها الحزبية!

فكرة شبابية

يقول الكاتب الصحافي والمحلل السياسي ماجد سعيد «بذرت مسيرة العودة بفكرة شبابية بعيداً عن اللون الفصائلي، حيث بدأ الترويج لها إعلامياً وشعبياً بصورة واضحة لأهدافها ومراميها المتمثلة بالمطالبة بحق العودة وفق ما حددته اللجنة المنظمة لهذه الفكرة، بأن تكون المسيرة سلمية لإيصال رسالة واضحة إلى كل من أميركا وإسرائيل والعالم أجمع، بأن القضية الفلسطينية بشكل عام وقضيتي القدس واللاجئين بشكل خاص هما أساس الصراع مع الاحتلال، ولا يمكن القبول بأي خطة سلام تسقط هاتين القضيتين».

ويمضي سعيد قائلاً: «لكن وبعد نجاح هذه المسيرة وما شكلته من رافعة للقضية الفلسطينية وسدّ أمام مشاريع التصفية، دخلت حماس على الخط وبدأت تتحدث باسم المسيرة وكأنها خرجت من رحمها». وأضاف «ليس ممنوعاً على أي فصيل المشاركة، لكن لا يجوز توجيه هذه المسيرات إلى جهة معينة، ينبغي أن تبقى شعبية».

حرف المسار

ويقول الكاتب والمفكر الفلسطيني الدكتور خضر محجز معبراً عن استيائه من فكرة حرف وجهة هذه المسيرات «بعد تبني حماس المشهد ومطالبتهم الناس بأن يقبلوا بتغيير الهدف في منتصف الطريق لم تعد المسيرة سلمية بحتة فقد وعدوا ثم قبلوا بتغيير ما وعدوا، وهم الآن راضون بتغيير ما وعدوا ويرفضون أن يقولوا بأنهم ضد الانقسام، فالكل يتسابق على أيهم كان البادئ بالدعوة إلى قتل الناس والدعوة لموت مجاني لتحقيق غايات حزبية بحجّة أن نواياهم حسنة وهذا لا يعنيني»، على حد تعبيره

بتبني «حماس» للمسيرات قد تبطل سلميتها، فالحركة لم تكن صاحبة القرار الأول فيها، ولم تكن صاحبة القرار الأخير. الأطفال والفتية والشيوخ والنساء هم قادة هذه المسيرات، وهم الذين خرجوا متعالين على كل جروحهم وانقسام ساستهم، مطالبين بمطلب وحيد وهو حقهم في العودة، فإن أرادت «حماس» فك الحصار فإن عليها اللجوء لطاولة الحوار بدلاً من استغلال الفرص ودفع مزيد من الناس للحدود.