قد تكون وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» تمر حالياً بأسوأ أزمة مالية في تاريخها الذي يمتد لـ 69 عاماً، وذلك بعد إعلان الولايات المتحدة، المانح الأكبر للمساعدات، خفض معونتها، مع احتمال تجميد أي تمويل إضافي في المستقبل المنظور، بهدف الضغط على اللاجئين الفلسطينيين في حق العودة.
والواقع أنه منذ اعتراف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، كانت إدارة ترامب تصعد ضغوطها المباشرة على الفلسطينيين، باستهداف المساعدات الإنسانية التي تقدمها لهم، أولاً عبر حجز 65 مليون دولار من أصل تعهد بتقديم 125 مليون دفعة أولى عام 2018، ثم وقف توزيع 45 مليون دولار تعهدت بتقديمها للوكالة لتأمين معونة غذائية للضفة الغربية وقطاع غزة. وتوقيع ترامب لاحقاً على قانون «تايلور فورس».
وبرغم تأكيد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية أن التخفيضات «لا تستهدف معاقبة أحد»، إلا أن تغريدات ترامب كانت تشي بعكس ذلك عندما غرد متسائلاً: «لماذا يتعين علينا تقديم تلك الدفعات الكبيرة للفلسطينيين في المستقبل في ظل عدم استعدادهم للتحدث عن السلام؟».
ويقول الخبراء إن وزر تلك العقوبة سيقع على كاهل الشرائح الأضعف ضمن الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والدول المجاورة، أي اللاجئين، ويفيد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، محمد أشتية أن القسم الأعظم من مساهمة واشنطن التي تصل إلى نحو 500 مليون دولار في الأراضي المحتلة، قبل خفضها أخيراً، كان يذهب إلى وكالة «أونروا»، التي تتلقى 350 مليون دولار تقريباً، فيما المساعدات الأميركية الباقية عبارة عن مشاريع تنفذها وكالة التنمية الدولية الأميركية.
حملة الكرامة
وبطبيعة الحال، أثار القرار الأميركي قلق المجتمع الدولي ومنظمات الإغاثة على مستقبل «أونروا» التي تعنى بنحو 5.3 ملايين لاجئ فلسطيني في الأردن ولبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، فأطلقت «أونروا» حملة تمويل واسعة النطاق تحت عنوان #الكرامة لا تقدر بثمن، تهدف إلى تأمين 500 مليون دولار.
ووفقاً للوكالة، يعرض ترامب بقراره للخطر كرامة 5.3 ملايين لاجئ فلسطيني وأمنهم الإنساني. ويتفق المحللون، على أن التعليم سيكون في مقدمة الخدمات التي سيتم الاستغناء عنها. أما السبب وراء ذلك، فيعود لواقع أن «أونروا» منظمة معنية بالتنمية البشرية تقوم بتخصيص غالبية ميزانيتها للتعليم، يليها الخدمات الصحية ثم الخدمات الاجتماعية الأخرى.
وترى الباحثة في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد، سارة روي، أنه على خلاف وكالات الأمم المتحدة الأخرى التي قد تواجه تخفيضات شديدة في الميزانية، مثل برنامج الغذاء العالمي، الذي بإمكانه أن يقلل بشكل متناسب من كمية الغذاء التي يوزعها، لا تستطيع «أونروا» توفير تعليم أقل بنسبة الثلث لطلابها.
وستضطر إلى وقف تقديم التعليم في سبيل الحفاظ على خدمات أخرى، خاصة في مجال الصحة، وهي أوشكت على القيام بذلك مضطرة خلال الأزمة المالية التي مرت بها عام 2015، ومن المرجح أن تفعل ذلك الآن، إذا لم يأت الدعم الكافي من مانحين آخرين.
وسيعاني الفلسطينيون عاقبة ذلك، لكنهم لن يكونوا الوحيدين وفقاً لروي، إذ يمكن تخيل ما سيكون عليه الوضع مع إنهاء الخدمات التعليمية وغير ذلك، بتسرب الأطفال والشباب إلى الشوارع وتقليص رأس المال البشري الذي يمثل الأمل الرئيسي في المنطقة. وكانت هناك إشارات بأن أونروا كانت تقلص نشاطاتها، مع احتجاج معملين أمام مكاتبها في القدس الشرقية محذرين من تدهور أوضاعهم أخيراً.
دور الوكالة
وعلى مدى 70 عاماً، ومع رفض إسرائيل قرار الأمم المتحدة بحق العودة للاجئين، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة تمدد تفويض «أونروا» بشكل منتظم، لتقديم خدمات للاجئين وذرتهم الذين لا يزالون يعيشون في مخيمات مزدحمة مفقرة داخل أحياء مغلقة.
ومع زيادة احتياجاتهم على مر السنين، ازدادت خدمات الوكالة لتشمل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والبنى التحتية والقروض الصغيرة والمساعدات الطارئة. وتوظف الوكالة أيضاً أكثر من 30 ألف شخص، معظمهم من الفلسطينيين، كما تهتم بإدارة الصرف الصحي والنفايات.
بالنسبة إلى لاجئ من جيل الألفية، وفرت «أونروا» له التعليم حتى الصف التاسع ومولت البنية التحتية للمخيم وغطت جزئياً تكاليف رعايته، وأوجدت وظائف للناس في مجتمعه. وأخيراً مع تأثر قسم كبير من اللاجئين بالصراعات الدائرة، حيث يعيش 1.3 مليون منهم في غزة، ونحو 438 ألف في سوريا، قامت «أونروا» بتأمين المساعدات الطارئة لهم.
المشكلة أن الوكالة تعتمد على التبرعات، وكانت الولايات المتحدة أكبر المانحين لها، بنحو 30% من ميزانيتها السنوية. وحتى نهاية مارس كانت قد تلقت تعهدات بـ 100 مليون دولار من التمويل الجديد، ويبقى هذا قليل بالمقارنة مع 290 مليون دولار كانت تعتمد عليها الوكالة من الولايات المتحدة.
وخلال تاريخها الممتد إلى 68 عاماً، واجهت الوكالة باستمرار حالة من الغموض بشأن مصيرها. كانت قد أنشئت لخدمة جهد إغاثي مؤقت، لكنها تحولت مع الوقت إلى كيان شبه حكومي.
مشكلات التمويل أصبحت متكررة منذ السبعينيات، وكان هناك سعي متواصل لإيجاد موارد أكثر استقراراً من الإيرادات، وقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة انتونيو غويتريس في عام 2017، عن إنشاء صندوق في البنك الدولي ومصرف التنمية الإسلامي.
موضع انتقاد
لكن على الرغم من استفادة الملايين من اللاجئين منها، كانت الوكالة موضع انتقاد باستمرار، أولاً لدفع الفاتورة التي كان ينبغي أن تدفعها إسرائيل، وثانياً لترسيخ اعتماد الشعب الفلسطيني على المساعدات.
لكن الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، جلال الحسيني يقول: «في البداية، كانت أونروا أداة الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة توطين الفلسطينيين وجعلهم ينسون حقهم في العودة. لكنها من ذلك الحين غرست نفسها في المجتمع الفلسطيني». ولا يزال وجود اللاجئين غصة في حلق الإسرائيليين الذين لا يريدون أن يعترفوا بطرد مئات الألوف من سكان فلسطين التاريخية.
وفيما يعتقد البعض باستيعابهم من قبل البلدان المجاورة، ويطرح رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو نقل أوضاعهم إلى «المفوضية السامة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، فإن وضع الأونروا يشكل حالة فريدة، فعلى عكس لاجئي «المفوضية»، يريد اللاجئون الفلسطينيون العودة ويُمنعون منها.
بالنسبة لهؤلاء، فإن الدور الأهم لـ «أونروا» لم يكن توزيع الخدمات، بل توثيق أرشيف اللاجئين أنفسهم، من أيام النكبة، كإثبات على جريمة التطهير العرقي. ويقول المتحدث باسم «أونروا»، كريس غانيس: «إلى أن يجري التوصل إلى حل قائم على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فإن أونروا ستستمر في العمل وتقدم خدماتها».
تأثير خفض المساعدات الأميركية في مواقع وجود اللاجئين
الأردن
مع وجود أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني مسجل، يستضيف الأردن حصة ممن يحصلون على مساعدات «أونروا»، سيكون مضطراً لتوفير مجموعة متنوعة من الخدمات للاجئين الفلسطينيين. ومن بينها الوفاء بمتطلبات التعليم الأساسي لـ120 ألف طفل إضافي.
لبنان
لعلها الدولة في الموقع الأكثر ضعفاً، وقد أصبحت أخيراً موطناً لأكثر من مليون لاجئ سوري مسجل، يمثلون حوالي ربع السكان المقيمين في البلاد، في أعلى نسبة تركيز للاجئين عالمياً، وفقا للمفوضية الأوروبية، وسوف يعمق اضطرار لبنان لتوفير خدمات لعدة مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون أصلاً في المخيمات الموزعة على أكثر من منطقة لبنانية الصدمات الاقتصادية في البلاد.
سوريا
فقدان خدمات «أونروا» سيعني التخلي عملياً عن أكثر من نصف مليون رجل وامرأة وطفل يشعرون باليأس. هناك 254 ألف لاجئ فلسطيني نازح، و120 ألفاً تركوا سوريا. في 31 يناير 2018، بعد إعلان منع استخدام المساعدات الأميركية للعمليات في سوريا ولبنان، أطلقت أونروا نداء إغاثة لجمع مبلغ 409 ملايين دولار. العام الماضي نداؤها لـ329 مليون دولار، لم يتلق سوى 141 مليون دولار، 60% تقدمت به الولايات المتحدة.
الضفة الغربية وغزة
خفض التمويل سوف يؤثر بشكل خاص في غزة، الجيب المحاصر حيث إن مليوناً من سكانه أي 80% يعتمدون على المساعدات الغذائية، وحيث معدل البطالة يقرب من 46%. وفي الضفة الغربية، بدأ تأثير خفض المساعدات مع الحديث عن تسريح عشرات الموظفين من «أونروا».

