تمحورت جلسات مؤتمر «فكر 16»، صباح أمس، في اليوم الختامي حول «صناعة الاستقرار: مساهمات القطاعات المؤثرة»، وكان من بين أبرز هذه الجلسات «الإعلام الرقميّ ووسائل التواصل الاجتماعي» التي تناول فيها المتحدثون تداعيات ثورة الاتصالات والمعلومات.
وما أوجدته من أدوات إعلامية جديدة، تعد أكثر الأدوات استخداماً بواسطة الشباب العربيّ، وعرضاً لبعض الخبرات والتجارب العربية الناجحة في هذا المجال، وعلى رأسها تجربة دولة الإمارات التي نجحت في استثمار شبكات التواصل الاجتماعي بوجهة بنّاءة وخلّاقة في المجتمع.
وأدارت الجلسة منى بوسمرة، رئيس التحرير المسؤول في صحيفة «البيان»، وشارك فيها:
عبد الله النعيمي، مدير مشاريع مكتب الدبلوماسيّة العامة في وزارة شؤون مجلس الوزراء والمستقبل في دولة الإمارات.
ود. غسان مراد، أستاذ الألسنة المعلوماتية والإعلام الرقمي في الجامعة اللبنانية، ود. زهور كرّام، الروائية والناقدة والأكاديمية في جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب، وأشرف زيتون، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للابتكار في مختبرات الدبلوماسية في الأردن، وكامل الأسمر، مؤسس شبكة «نخوة» للتطوع والتنمية في الأردن.
عصر المعرفة
استهلت منى بوسمرة محاور بحث الجلسة بقولها: «نحن نعيش عصر المعرفة التي لا بد لها أن تترك فحوى وتأثيراً فيما نتلقاه وما يتلقاه أفراد مجتمعاتنا، فقد تعددت الوسائل الإعلامية وكثر معها أصحاب الرسائل، وتعددت موادهم الإعلامية وتفاوتت قيمتها بين الغث والسمين وبين الإيجاب والسلب، وبين البناء والهدم.
وانطلاقاً من هذا الواقع تأتي محاور وموضوعات جلستنا الرقمية بامتياز». وأضافت: «أصبح المتلقي الذي كان في السابق لا حول ولا قوة له، مرسِلاً متفاعلاً اليوم، يفرض رأيه بقوة من دون تكلفة مالية أو جهود بشرية خارقة». وأشارت رئيس التحرير المسؤول في «البيان» إلى أن هذه الجلسة تحاول تقديم إجابات عن تساؤلات عديدة، منها:
كيف يمكن زيادة الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي في الدفاع عن القضايا التي تشغل العالم العربي وتؤثر في مستقبله واستقراره؟ وكيف يمكن الاستفادة من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي، واستخدامها على نطاق واسع في تقويض دوافع الفوضى والعمل على صناعة الاستقرار؟
حوسبة اللغة
وفي بداية النقاشات، حرص د. غسان مراد على التنبيه إلى ضرورة تصحيح بعض المصطلحات والعبارات الشائعة واستخدامها الخاطئ، قائلاً: «من بعض الأقوال الرائجة، إن شبكات التواصل وسيلة للإعلام، بينما هي وسيلة للتواصل والاتصال، لأنها لا تصنع المحتوى.
وعلينا التمييز بين المعلومات والمعطيات والبيانات التي ليست معرفة في حقيقتها، وإنما نحن نستخدمها لتحويل المعطيات إلى معرفة من أجل إنتاج معلومات جديدة». وتابع: «أن المعرفة هي رأس المال الفكري الذي يعتمد عليه في بناء مجتمع المعرفة، وحالياً بدأنا ننتقل إلى مجتمع الابتكار، ليس بالإنسان فقط، بل من خلال آلاف الطرق التي تستخدم الذكاء الاصطناعي».
وانتقل مراد بعدها إلى الحديث عن أسباب عدم التزام الشباب بالمشاريع التنموية، مبيناً أن سببه عجز المؤسسات عن ردم الفجوة المعرفية فيما بينها، الذي يتجلى عند الشباب في عدم الشعور بالانتماء إلى المكان الذي يعيشون فيه. ثم بيّن أن الرقمنة تخدم المصلحة العامة في فتح قنوات تواصل بين النخبة الحاكمة والجمهور، مؤكداً ضرورة بناء الوعي لتحقيق الاتصال الملتزم في تبنّي القضايات الاجتماعية.
وعقبها شدد على أهمية العمل على حوسبة اللغة العربية، وبناء اللسانيات الحاسوبية العربية لتحليل البيانات آلياً والعمل والتعاون بين المؤسسات العربية المعنية بهذا البناء، والتفكير في استراتيجيات وتطوير برمجيات خاصة بها.
إنتاج الوعي
بدورها، تطرقت د. زهور كرّام إلى محور الإعلام الرقمي والمواقع الاجتماعية والتحديات، فبدأت بالتنويه بأهمية إنتاج الوعي للممارسة الرقمية، فمنجزات الثورة الرقمية الرابعة تختلف بشكل جذري عن الثورات الصناعية الكبرى، حيث شكلت تحولاً جذرياً بنوياً في المفاهيم والتقنية وبديلاً لحيز من تفكير الإنسان.
ولفتت زهور إلى أن ثورة صناعة الذكاء الاصطناعي الحالي طورت برامج تجاوزت مفهوم الخيال والمتخيل إلى التغيير، موضحةً أن هذه التحولات تتطلب تنظيم ورشات بحث وتدريب لإنتاج وعي بهذا الزمن الرقمي.
وبمفهوم التعلم والرقمنة والشراكة، لندرك العالم الذي نعيش فيه، خاصة أنها باتت قيمة مضافة إلى عناصر الطبيعة الأربع الماء والهواء والنار والتراب التي تتمثل بالمعلومة، التي علينا تحويلها إلى عامل إيجابي.
من جهته، اعتبر أشرف زيتون أنّ قدرة الفرد على المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها بسهولة جعلته يمتلك قوّة لم يملكها في تاريخ البشرية، فهو بات قادراً على نشر قضاياه والتعبير بحرية وتلقّي المعلومات ونشرها. وعرَض زيتون الأرقام المرتفعة لاستخدام الشبكات الاجتماعية في العالم العربي.
مؤكّداً أنّ التعامل مع البيانات الضخمة التي يولّدها هذا الاستخدام يشكّل أكبر تحدٍّ أمام الحكومات العربية التي عليها أن تجد الطريقة الفضلى لاستخدام هذه البيانات للمصلحة العامّة.
نموذج
اختار كامل الأسمر في مشاركته، تقديم عرض مفصّل عن شبكة نخوة التي أسّسها للتطوّع في الأردن، كنموذج لكيفية استخدام الشبكات الاجتماعية للتأثير إيجاباً في الشباب الذين اعتبر أنّهم ضحية نظم تعليم خاطئة.
وعرض قصصاً واقعية عن فرص صنعها الإعلام الاجتماعي للشباب،كما عرض لمراحل وتفاصيل تجربته مع نخوة وطبيعة إسهامها الإيجابي في المجتمع، مشيراً إلى أنها تضم اليوم 22 ألف متطوّع مسجّل وتتيح أكثر من 1500 فرصة تطوّع في ست دول عربية في أكثر من 20 مجالاً.
تجربة رائدة
نجاح دولة الإمارات في استثمار الوجود الكثيف لأفراد المجتمع ضمن شبكات وسائل التواصل الاجتماعي بوجهة إيجابية وخلاقة مجتمعياً، مثّل المحور الرئيس في حديث عبد الله النعيمي، إذ أوضح أنّ كلّ جهة حكومية لديها قسم خاصّ مسؤول عن منصّات التواصل.
وذلك لقياس رضا الجمهور وللاستجابة السريعة لدى نشر أي شكوى واقتراح ولتقديم خدمات أفضل للناس، لافتاً إلى أنّ كلّ ذلك من خلال المعرفة الجيّدة التي يتيحها وجود هذه الأجهزة على الشبكات الاجتماعية.
وأوضح أنّ الحكومة الإماراتية عزّزت ثقافة التواصل بين الجمهور والجهات الحكومية. وأشار في الصدد إلى صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي يعتبر أوّل قائد عربي أنشأ حساباً على «تويتر»، كما تحوّلت حسابات سموه على وسائل التواصل الاجتماعي، مصادر رئيسة للأخبار وجذب المتطوّعين والتواصل مع الناس.
