من بين أصوات الانفجارات التي تهز قطاع غزة يومياً، ومن بين الأزقة التي تنتشر فيها روائح الفقر والبطالة والدمار، ينفض عشرات الأطفال الغزيين أيديهم من الواقع المرير، للالتحاق بمعهد متخصص في تعليم الموسيقى بغزة، ينمي قدراتهم الفنية.

فصوت الطائرات بدون طيار يدوّي ليلاً نهاراً في القطاع، وإطلاق النار لا يتوقف قرب السياج الفاصل، والانفجارات تكسر الهدوء في جميع المناطق الحدودية، وطائرات حربية تحوم على مدار الساعة لتقوم بغارات وهمية، وأطفال لم يناموا ليلهم من شدة الخوف، لكنهم في الصباح ذهبوا إلى مدارسهم، وكان جزء منهم يعد أغنية ليوم الأرض وأخرى ليوم الأم.

معهد إدوارد سعيد هو المعهد الوحيد في قطاع غزة، المهتم والمتخصص في تعليم الموسيقى، يستقبل يومياً عشرات الأطفال بعد انتهاء دوامهم المدرسي، ويعمل لتكوين جيل فني قادر على إيصال الصوت الفلسطيني بكلماته وألحانه.

مدرسة ومعهد

الطفل عز الدين خليفة (15 عاماً) أحد طلبة هذا المعهد، يحافظ على وجوده داخل المعهد بعد دراسته يومياً، لتعلّم العزف على آلة العود، ويطمح إلى أن يشارك في مسابقات دولية، ويرفع فيها اسم فلسطين عالياً.

ويؤكد خليفة، الذي يقدم وصلات من الأغاني القديمة والحديثة بمصاحبة العود، أنه ينسى تماماً أي صوت مخيف عندما يمسك الآلة، ويساعده والده الذي اكتشف موهبته وشجّعه على تحقيق أحلامه بدخول عالم الفن. ويتابع: «المعهد هو بيتي الثاني، فيه أفرّغ طاقتي وأهرب من واقعنا الصعب، فشعور الكآبة والحزن ينقلب إلى فرح ومحبة وسلاح داخل المعهد».

وتقول زميلته العازفة روان الجرف (21 عاماً) إن المعهد هو الملجأ الوحيد لها ولشقيقتها التي تشاركها في الأعمال الفنية للهروب من واقع غزة المؤلم، وتضيف: «عندما تعزف الآلات كأسرة واحدة وعلى إيقاع واحد، نشعر بالمحبة وبالسلام والطمأنينة، وبذلك نرسل صوتنا إلى العالم كله بأننا شعب نحب السلام ونرسل رسائل محبة ومودة لهم».

لغة عالمية

وتشير الجرف إلى أن الموسيقى هي لغة عالمية بين كل شعوب العالم، والرسالة التي يمكن أن تصل من خلاله، ولذلك يحاول أطفال فلسطين إرسال رسائل محبة وسلام إلى العالم من هذه البقعة الصغيرة، وإيصال صوت الشعب المقهور من خلال فعاليات المعهد.

وفي السياق، قال مدير معهد إدوارد سعيد للموسيقى، د. إسماعيل داوود، إن المشروع بدأ منذ عام 2008 لمدة أربع سنوات، حيث انطلق المعهد خطواته الأولى بعدد قليل من الأطفال، إلى أن وصل عدد الأطفال حالياً إلى ما يقارب 150-200 طالب، من خلال المشروع حيث ترعى جامعة بيرزيت خمسة فروع لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في فلسطين.

وأكد داوود أن الموسيقى لها دور كبير في إيصال صوت الشعب الفلسطيني ونقل معاناته للعالم، ومن هنا بصوت أطفال غزة.