أم فايز.. مكلومة في قلب الجحيم

لم توفّر الحرب أحداً من السوريين ولم تستثنِ رجالاً ونساءً وكهولاً وأطفالاً، حتى طالت ألسنة لهبها الشعب كله، ففي كل ركن ألم، ومن كل نفس تفوح رائحة المأساة. وتمثل أم فايز أحد نماذج الألم السوري، وهي تصارع من أجل البقاء في أسوء الحالات فقط.

تعتبر أم فايز إحدى ضحايا الحرب السورية المؤلمة، فهي أم لشابين فقدتهما بسبب الحرب الدائرة، وكأنها كما تصف تعيش كابوساً طويلاً لم تحن الفرصة ليغادرها، فوهات المدافع وأزيز الطائرات المستمر تشكّل ناقوس ذكرى يعيد إلى هذه الأم لحظة سماعها خبر مقتل ابنيها.

كانت أم فايز تسكن في حي جوبر الدمشقي على أطراف العاصمة، وبعد أن هُجّر ساكنو الحي، هُجّرت وعائلتها إلى الغوطة الشرقية، تاركةً خلفها ابنها الأول قتيلاً بسبب القصف، دون أن تتمكن من رؤية الوداع وإن كان قتيلاً.

وتسرد أم فايز لـ«البيان» كيف رحل ابنها في المعارك وهو يودعها قائلاً: «يا أمي سأعود على الغداء، أريد منك طبخة ملوخية كي نتناولها معاً»، لكنه غادر من دون غداء، ولا تزال هذه الذكرى تشكّل مرارة لم تستطع الأم المكلومة تجاوزها.

لم تكد أم فايز تفيق من صدمة فقدان ابنها الأول حتى اختطفت منها غارة جويّة على الغوطة ابنها الثاني، بعد إصابتها إصابة بليغة نُقلت على إثرها إلى المستشفى، وهي حتى الآن تتلقى العلاج، إذ تقرر إجراء عملية بسبب ثلاثة كسور أصيبت بها، أحدها في الحوض.

ولا يعيش أبو فايز حالاً أفضل، فهو الآخر يعيش مأساة وحالاً يرثى لها، وهو رجل طاعن في السن، مصاب بداء السكري، والأدهى والأمرّ عدم توافر الأدوية في الغوطة، وإن توافرت فلا قدرة لأبي فايز على شراء هذه الأدوية الباهظة الثمن.

ولا تمثّل كل هذه الظروف المأساوية كل ما في جعبة الأسرة المعذبة، فأبو فايز وزوجته الآن في طور البحث عن مأوى لها في ظل ركام الغوطة المنكوبة، إذ لا يجدان الآن جداراً يداريهما، أو سقفاً يظلهما ويحميهما من قسوة برد الشتاء. تقول أم فايز لـ«البيان»: «بتنا بلا مأوى في مهب البرد والجوع والأمراض، لا أحد هنا ينظر في حالنا، فالكل متشابهون في الظروف القاسية، واليوم تستعر الحملة على الغوطة، لا نعرف متى سنرحل، لكن كل شيء من حولنا يوحي بالموت».

تعليقات

تعليقات