الفلسطيني فرّاج.. 16 عاماً يبحث عن عائلته!!

في أبريل من كل عام، يستذكر الفلسطينيون وأهالي مخيم جنين على وجه الخصوص، التفاصيل الدقيقة والمرعبة، التي مرّت عليهم، خلال المجازر الوحشية، التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحقهم، خلال حملتها العسكرية على مدن الضفة الغربية، وإعادة احتلالها، العام 2002، ضمن ما عُرف بحملة «السور الواقي» كما أطلق عليها الاحتلال.

كانت عقارب الساعة تؤشر إلى الثالثة فجراً، عندما استباحت قوات الاحتلال أرض المخيم، وبدأت بهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها، دون مراعاة لمريض، أو كبير في السن، أو حتى طفولة تغرق في أحلامها الوردية، وكان هدير الطائرات والدبابات، ودويّ القنابل المتفجرة، يطغى على أصوات الرعد والمطر، إذ كانت ليلة عاصفة وماطرة، ضاعفت من معاناة المشردين من أبناء المخيم، الذين خرجوا من منازلهم، على غير هدى.

بين سطور المجزرة، ثمة جروح لم تندمل، رغم مرور 16 عاماً عليها، إذ لا يزال المواطن الثمانيني، أحمد فرّاج، ينتظر من يحمل له خبراً عن زوجته وثلاثة من أبنائه، الذين اختفت آثارهم في خضم المجزرة، ولا يزال يبحث عنهم، ويتمسك بالأمل، بالعثور عليهم أحياء!!.

حطام ورماد

نالت الأيام والسنين من الحاج فرّاج وجسمه النحيل، وابيضت عيناه من الحزن، لكنه لا يزال يردد ذات الكلمات التي أخبره بها جيرانه، بأن زوجته وأولاده، كانوا يحاولون الخروج من المنزل المهدوم عليهم، لكن فرّاج لم يتمكن من تحديد مكان منزله، بعد أن تحول محيطه إلى كومة الحجارة، فالجرافات العسكرية الضخمة، أتت على منطقة «الحواشين» حيث كان يقطن، وحولتها إلى حطام ورماد.

يقول الرجل، الذي بدا وكأنه يفقد كل ما له صلة بالحياة، أنه في اليوم الذي فقد فيه أفراد عائلته، رأى الدبابات الإسرائيلية تقترب من المنطقة، وظن في بادئ الأمر أن الجنود سيقومون بعمليات تفتيش للمنازل، فأشار على زوجته وأبنائه الأربعة، وبناته الثلاث، كي يختبئوا معاً في غرفة معينة، اعتقد بأنها ستكون أكثر أماناً، وبعيدة عن أعين الجنود، لكن بعد أن اتضح الأمر، وبدا واضحاً بأن الدبابات ستأخذ في طريقها، كل ما تجده أمامها، أشار عليهم بالخروج، وبقي هو لبعض الوقت.

انهيار

يتابع الرجل وقد انحنى على عصاة، وغالبته دموع ساخنة، عبثاً حاول حبسها: «كان كل همّي أن يخرجوا هم بسلام، وفضلت أن أبقى في المنزل حتى أشغل الجنود عنهم، في حال داهموا المنزل، كي تتمكن عائلتي من الابتعاد عن الخطر، وخلال لحظات وجدت الغرفة، التي اعتقدت بأنها ستحمينا، تنهار فوقي، فخرجت مسرعاً، وليتني لم أخرج، وقضيت شهيداً، كي أرتاح من عناء البحث عنهم»!!.

ويوضح: «نجحت البنات في الوصول إلى بيت خالتهن، وانضم يحيى للمدافعين عن المخيم ولم يعد، وما أكده لي الجيران أن عبد الرحمن قد استشهد، حيث شاهد العشرات منهم جثته بين الشهداء، أما زوجتي وطفليّ الصغيران حسن (13) عاماً، ومحمود (11)، فلم أعثر عليهم، لقد خرجوا بسرعة، وفي ظل حالة من الرعب، فالجنود الذين هدموا المنزل، لم يكلّفوا أنفسهم عناء السؤال عما إذا كان أحد بداخله أم لا، ولولا انتباهي لجنازير دباباتهم، لقضيت تحت الردم».

منذ المجزرة، لم يستقر فرّاج في منزل، ويعيش متنقلاً في منازل بعض الأقارب، وفي صباح كل يوم، يخرج للبحث عن المفقودين من أفراد عائلته، الذين غيبتهم دبابات الموت، ولا يزال يتمسك بالكلمات التي سمعها بأن ابنه يحيى خرج حياً من بين الأنقاض، هكذا قال له الناس، وهكذا يجب عليه أن يصدّقهم، حتى يُبقي على الأمل متّقداً لديه، بالعثور عليه يوماً ما.

ومما يذكره فرّاج، أن أحد الجنود المكلّفين بعمليات الهدم، كان يهاتف الضابط المسؤول عنه، ويقول: «حوّلنا وسط المخيم إلى ملعب كرة قدم، لكن هناك بعض المنازل لا تزال قائمة، نحن آسفون لأننا لم نتمكن من تدميرها».

تعليقات

تعليقات