لن يعود أحمد نصر جرار، إلى حضن أمه وقهوة أمه، التي اعتاد على شربها معها صباح كل يوم، ولن يُقبّل يديها في «يوم الأم» كما كان يفعل في هذه المناسبة كل عام.في منازل الشهداء، تدرك معنى الرحيل، وفراق الأبناء، فالفرحة تغادر منازلهم إلى أجل غير مسمى، أو ربما إلى غير أجل، وفي قرية واد برقين، الواقعة غرب مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، حكاية أشد إيلاماً، للفلسطينية ختام جرار، إذ استشهد الزوج، والإبن، ويبدو أن «الحبل على الجرار».
مشهد يتكرر
المشهد يتكرر هذا العام بنسخة كربونية في منزل ختام، إذ استشهد ابنها أحمد (22) عاماً، في ذات الشهر، والظروف نفسها، التي رافقت استشهاد زوجها نصر جرار، قبل (16) عاماً، فالأول استشهد خلال اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال، بينما الثاني ارتقى في مواجهة مسلحة مع قوات الاحتلال. تستذكر ختام في حديثها لـ«البيان»: «عندما جاءني نبأ استشهاد زوجي، كانت الأجواء ماطرة وعاصفة، ويوم استشهاد أحمد، كانت الأجواء نفسها، وكلاهما استشهد بعد محاصرته والإشتباك معه، وهدم المنزل عليه».
على مقربة من منزلها المهدوم، بفعل الجرافات الإسرائيلية، أقامت الأم والزوجة المكلومة، خيمة صغيرة، لاستقبال «المهنئين» باستشهاد ابنها، تماماً كما فعلت حين استشهد زوجها، فهي ترفض تقبّل العزاء، وتفخر بتقديم شهيدين من بيتها، في معركة الوجود والحرية.
تقول والإبتسامة تعلو محياها: «استشهد أحمد في يوم ميلادي، الذي كان يحتفل به كل يوم.. فقد اعتاد أن يشرب قهوته الصباحية معي، ويقف على احتياجاتي، وأن يقبّل يديّ قبل أن يغادر إلى جامعته، وفي يوم الأم، اعتاد أن يحضر لي ضُمّة ورد كان يختارها بعناية من أزهار الأرض، التي أحبها، وضحى بدمه لأجلها».
في آخر لقاء لها مع أحمد، احتضنته الوالدة، وأخذ هو يقبّلها بطريقة لم تعتد عليها، وبعد استشهاده أدركت، أن الشهداء وحدهم، هم من يعلمون بقرب الرحيل.
