رويداً رويداً بدأت المحافظات الجنوبية تتعافى من خطر الجماعات الإرهابية التي عاثت في الأرض قتلاً وتدميراً خلال السنوات الماضية، مستغلة فوضى الحرب التي تشنها ميليشيا الحوثي الإيرانية ضد الشعب اليمني. فبعد أن كانت رقعة سيطرة هذه الجماعات تتوسع خلال السنوات الماضية، حتى تم تصنيف تنظيم القاعدة في جزيرة العرب فرع اليمن من أخطر التنظيمات في العالم، تراجعت رقعة سيطرة وحضور التنظيم في اليمن بشكل كبير جداً بفضل تدخل التحالف العربي الذي كان من أولوياته محاربة الإرهاب وتأمين المحافظات المحررة. ولعبت القوات المسلحة الإماراتية دوراً رئيسياً في تقديم الدعم والإسناد المباشر في المعركة ضد التنظيمات الإرهابية.

عاصفة ضد الإرهاب

لم تقتصر مهمة التحالف العربي في اليمن منذ إعلان عاصفة الحزم على تحرير المحافظات اليمنية من عناصر الانقلاب، بل كانت تقع عليها مهمة تأمين المحافظات المحررة، لا سيما أن هذه المحافظات أفرغت تماماً من الأجهزة الأمنية بسبب الحرب، وهو الأمر الذي استغلته الجماعات الإرهابية للتمدد والانتشار حتى في العاصمة المؤقتة عدن التي عانت بعد تحريرها من حوادث الاغتيالات والتفجيرات التي طالت مسؤولين ومقرات حكومية.

تدخلت دول التحالف العربي وبإشراف مباشر من دولة الإمارات لتأهيل قوات الأمن لتقوم بواجبها في حماية المواطنين وتوفير البيئة الأمنية المناسبة لكي تكون عدن عاصمة مؤقتة.

البداية من عدن

تأمين العاصمة المؤقتة عدن كان أولوية لدى دول التحالف العربي، إذ اهتمت القوات المسلحة الإماراتية العاملة ضمن التحالف العربي بإعادة تفعيل الأجهزة الأمنية فيها، حيث قامت بإعادة تأهيل كامل مقرات الشرطة، ودعمها بما تحتاج من أجهزة ومعدات وسيارات، كما قامت بتدريب وتأهيل الكادر البشري.

ومطلع العام 2016 أعلن عن تأسيس الحزام الأمني لمحافظة عدن والمحافظات المجاورة، تكون مهمته تأمين عدن وتطهيرها من عناصر الإرهاب، حيث نجحت قوات الحزام الأمني في شهر فبراير من العام 2016 من تطهير مديرية المنصورة التي كانت معقلاً لعناصر تنظيم القاعدة، ومن ثم انتقلت هذه القوات إلى محافظة لحج.

نفذت قوات الحزام الأمني وبدعم وإسناد من القوات الإماراتية عمليات نوعية ومداهمات لأوكار الإرهابيين وتمكنت من اعتقال عدد كبير منهم، كما نفذت انتشاراً واسعاً في كل مديريات عدن ومداخلها ومخارجها. ونجحت هذه الإجراءات في شل حركة الجماعات الإرهابية التي كانت تتنقل بعدن بسهولة وتنفذ عمليات الاغتيالات والتفجيرات التي طالت حتى محافظ محافظة عدن السابق الشهيد جعفر محمد سعد، حيث تقلصت العمليات الإرهابية إلى حدودها الدنيا، وهو ما ساهم في عودة الحكومة اليمنية منتصف العام 2016 لإدارة شؤون الدولة من العاصمة المؤقتة عدن.

الانتقال خارج عدن

اتخذت الجماعات الإرهابية المناطق الريفية خارج عدن وكراً لها لتنفيذ عملياتها وتدريب وتجهيز عناصرها، وذلك بسبب بعد هذه المناطق عن سيطرة الدولة طوال السنوات الماضية، ووعورة تضاريسها الجبلية.

أدركت دول التحالف العربي ذلك، وسعت إلى تأهيل وتجهيز قوات خاصة تكون مهمتها مطاردة عناصر الإرهاب في جبال أبين ولحج وشبوة وصحراء حضرموت. كانت البداية من محافظة لحج، حيث كانت توجد فيها الجماعات الإرهابية بكثرة، وتخطط لشن هجمات على عدن ومطارها.

اقتحمت قوات الحزام الأمني منتصف شهر أبريل 2016 مدينة الحوطة ووسعت انتشارها ووصلت إلى أقصى المحافظة ونشرت نقاطها في جبال ومرتفعات يافع وردفان بدعم وإسناد من قبل القوات الجوية الإماراتية. وأعلن في 15 أبريل 2016 استكمال قوات الحزام الأمني السيطرة على محافظة لحج وتطهيرها من عناصر تنظيم القاعدة.

نجحت قوات الحزام الأمني في تغيير واقع لحج خلال فترة بسيطة، حيث توقفت الأعمال الإرهابية وتراجعت بشكل كبير، ولم تسجل المحافظة خلال الفترة الماضية سوى محاولة فاشلة لعناصر القاعدة لاقتحام مقر الحكومة، إضافة إلى توقف عمليات الاغتيالات التي كانت تطال عناصر الأمن والجيش وتشهدها المحافظة بشكل يومي.

عمليات المكلا

ظلت مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت كبرى المحافظات اليمنية، تعاني من سيطرة مسلحي تنظيم القاعدة عليها منذ شهر أبريل 2015 عندما هاجم مسلحو القاعدة المدينة وأعلنوا سيطرتهم عليها، وهو ما تسبب في معاناة لأبناء المدينة وتوقف كامل للمرافق الحكومية بعد أن قاموا بنهب البنك المركزي.

وفي صبيحة 24 مارس 2016 نفذت قوات النخبة الحضرمية بدعم وإشراف من دولة الإمارات عملية نوعية تمكنت خلالها من طرد عناصر القاعدة من كامل المدينة، بعد أن قتلت وأسرت ما يزيد على 800 من عناصر القاعدة.

تمكنت قوات النخبة الحضرمية من الانتشار في كامل أنحاء مدينة المكلا، ونشرت النقاط على مداخل ومخارج المدينة. حققت قوات النخبة الحضرمية نجاحاً كبيراً، إذ تمكنت من تأمين المدينة ووقف عمليات تنظيمي القاعدة وداعش التي كانت تستهدف رجال الأمن والجيش والكوادر المدنية في المحافظة. كانت عملية حضرموت بمثابة ضربة قاضية لعناصر تنظيم القاعدة، إذ قطعت عنهم الشريان الذي كان يمدهم بالأموال والسلاح وهو ميناء مدينة المكلا.

أبين.. النصر والتحرير

محافظة أبين جنوب اليمن كانت من أكثر المحافظات تضرراً من الإرهاب الذي تسبب لأبنائها بمآسٍ كثيرة، إذ تمكنت عناصر تنظيم القاعدة في شهر مايو 2012 من السيطرة الكاملة على عاصمة المحافظة مدينة زنجبار. وفرض تنظيم القاعدة أحكاماً عرفية في عاصمة المحافظة والمدن القريبة منها. وتسببت المعارك التي كانت تدور بين عناصر تنظيم القاعدة والجيش اليمني في نزوج كامل سكان مدينتي زنجبار وجعار وهما أكبر مدن المحافظة، إضافة إلى دمار كبير في البنية التحتية.

اتخذ تنظيم القاعدة أرياف محافظة أبين نقطة لانطلاق عملياته وتدريب عناصره، مستغلاً عدم وصول الدولة إلى هذه المناطق. وفي منتصف شهر أغسطس 2016 شنت قوات الحزام الأمني وبدعم وإسناد جوي من القوات المسلحة الإماراتية هجوماً كبيراً على مواقع عناصر القاعدة في المحافظة بهدف تطهيرها من هذه العناصر.

وتمكنت قوات الحزام الأمني والقوات المسلحة الإماراتية من الانتشار في عاصمة المحافظة زنجبار ومدينة جعار، ونصبت النقاط على طول الطريق الواصل بين عدن وأبين. ونجحت هذه القوات في فرض هيبة الدولة وملاحقة العناصر الإرهابية في جبال أبين، ووصلت إلى مناطق لم تصل إليها من قبل، وهو ما ساهم في تهاوي تنظيم القاعدة وتراجعه بعد اعتقال ومقتل عدد كبير من قياداته.

النخبة الشبوانية

مطلع شهر أغسطس 2017 كانت محافظة شبوة على موعد مع قوات النخبة الشبوانية التي تم تأهيلها وتدريبها بإشراف دولة الإمارات. إذ باشرت قوات النخبة الشبوانية سيطرتها على مدينة عزان التي كانت تعد أحد أهم معاقل تنظيم القاعدة.

وواصلت انتشارها تباعاً وتمكنت من الوصول إلى مناطق جبلية وصحراوية لم تصل إليها أجهزة الدولة من قبل، وخلال الحملة تمكنت قوات النخبة من اعتقال قيادات في تنظيم القاعدة. ونجحت قوات النخبة في تأمين عدد كبير من مديريات محافظة شبوة، وشلت قدرت تنظيم القاعدة على التحرك بين مديريات المحافظة والاستفادة من ثروات المحافظة الغنية بالنفط.

إشادة أميركية

أدلى قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال جوزف فوتيل، بشهادة أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس في فبراير الماضي، تحدث فيها عن إيران والإرهاب والدور الأميركي في المنطقة.

وفي شهادته، أبرز فوتيل أهمية دور الإمارات في محاربة القاعدة، قائلاً إن شركاءنا الإماراتيين لعبوا دوراً أساسياً في مواجهة تهديد القاعدة، وداعش في جنوب اليمن.

وقال فوتيل إن الموقع الاستراتيجي للإمارات، ومواردها الطبيعية الواسعة، واستعدادها لمواجهة منظمات إرهابية، وطموحها إلى أن تكون في واجهة الابتكار العسكري يجعلها شريكاً قيماً. وكانت الإمارات من أولى الدول التي انضمت إلى التحالف ضد داعش.