لطالما سمعنا أن الإبداع يولد من رحم المعاناة لكن في غزة يبدو الإبداع غير مألوف الطقوس، وكأنه يخبرنا أن هذه المدينة كما تحوي صور خراب شتى فهي في المقابل تملك محطات إبداع بشكل يفسر أن إرغام غزة على الموت بسبب حصار جائر هو معادلة خاسرة مقابل نماذج مثل الغزية آية كشكو وغيرها تغلبت على المعاناة بكل ما تملك من إرادة.

النجارة مهنة مقتصرة على الرجال فقط، لكن بطالة مقيتة تنهش في وجدان شباب غزة أضاعت الأوضاع الاقتصادية الصعبة دلالات مستقبله، ودفعت آية كشكو خريجة كلية الهندسة قسم العمارة وبسبب شح فرص العمل إلى إنشاء مشروع خاص بها ممثلا في منجرة تهدف لإعادة تدوير المنصات الخشبية وتشكيلها من جديد ثم بيعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

آية ذات الـ 26 عاما تطلق على مشروعها هذا اسم (بساطة) فمن خلال إمكانيات بسيطة وأدوات متواضعة استطاعت فتح هذه المنجرة لتوفير دخل محدود لها ينجيها من مغبة البطالة.

إعادة تدوير

يذكر أن الفكرة بدأت تراودها خلال وجودها في المنطقة الصناعية في غزة حيث لاحظت وجود الآلاف من المنصات الخشبية الملقاة على الأرض دونما فائدة فتبادر لذهنها إمكانية إعادة تدوير هذه المنصات لقطع أثاث بسيطة وتباع بأسعار زهيدة لمواطنين يحيون ظروفا اقتصادية صعبة.

تقول آية: «مشروعي هذا جاء انطلاقا من ثلاثة أسباب رئيسية أولها الاستفادة من هذه المنصات بدلا من تركها هكذا، وثانيا توفير قطع أثاث لبعض البيوت الغزية وبأسعار معقولة، وثالثا بث قيمة يغفل عنها كثير من الناس وهي أن الفرد باستطاعته تحويل الكثير من الأشياء التي يظنها مهملة لأشياء تنفع المجتمع وتحقق له دخلا مناسبا أيضا»، وتتابع حديثها قائلة: «الجميع تفاجأ بعملي هذا كوني فتاة وحالة من الاستغراب والدهشة ألمحها على وجوه النجارين حين أتعامل معهم لكن حين أحدثهم بلغة ومصطلحات هذه المهنة يوقنون أني على خبرة في هذا المجال وربما متمرسة فيه أيضا».

مسابقات

يشار بالقول إن آية كانت قد شاركت في مسابقات ريادية عدة، كان آخرها المسابقة الخاصة بالشباب الريادي، وفوزها فيها، الأمر الذي مكنها من شراء الأدوات الخاصة بالورشة وبعض المستلزمات الضرورية لمباشرة العمل.

وكأي أمر جديد يطفو على السطح، لاقت آية قبولا من البعض ورفضا من البعض الآخر، إضافة لصعوبات قد تؤثر بشكل أو بآخر على عملها أبرزها انقطاع التيار الكهربائي، إضافة لعدم قبول بعض الشباب العمل في منجرة تديرها امرأة!

تأمل آية النجاح المستمر لورشتها ودعم المجتمع لها لنيل ما تصبو إليه من توسيع هذه الورشة، وافتتاح محل لقطع الأنتيكا خاص بها، مطالبة بالعمل الحثيث من جميع الجهات المعنية على دعم المشاريع الشبابية الصغيرة وأفكارهم الإبداعية.

هي الأحلام حينما تكون تواقة لأهدافها لا تعرف عوائق أو صعوبات تخترق الشدائد وتصبو نحو النجاح في مشهد رائع يراه المتقبل والرافض في آن محض «إبداع» لا غير.