رائحة الموت تفوح من كل مكان، لا حديث غيره عندما يستطيع سكان الغوطة الشرقية من الالتقاء داخل أقبية المباني المنهارة التي باتوا يمضون فيها جل أيامهم، الجثث المتحللة تحت الركام بعد أن حالت الإمكانات الشحيحة المتوفرة للسكان دون إخراجها، رائحتها تطارد أهل المتوفين الذين أوجعتهم الحرب مرات ومرات ولكن أقساها- كما يقول أحد السكان- أن تشم رائحة جثة من تحب ولا تسطيع أن تكرمه بالدفن.
وبينما عرضت الحكومة السورية في السابق نقل المدنيين من مناطق تسيطر عليها المعارضة المحاصرة إلى مناطق أخرى، فإنها لم تفعل ذلك في الغوطة الشرقية، حيث قتلت الهجمات الحكومية أكثر من 1000 شخص معظمهم من المدنيين، منذ 18 فبراير الماضي. وقال سجاد مالك، الذي يرأس عمليات الأمم المتحدة للاجئين من العاصمة دمشق، لمراسلة صحيفة «نيويورك تايمز» في بيروت، إن الجانبين لديهما مسؤولية عن الوضع المروع للمدنيين في الغوطة الشرقية. وظل مالك مصدوماً لأيام بعد زيارته دوما في ضواحي دمشق، واصفاً الأوضاع هناك بأنها «تعيسة وكارثية»، مضيفاً أن رائحة الجثث المطمورة تحت أنقاض المنازل المدمرة تنتشر في الشوارع. وقال مالك عن المدنيين إنهم «يريدون الخروج، لكن القصف لا يتوقف»، مضيفاً: «لقد وصلنا إلى طريق مسدود»، متسائلاً: «هل هناك وضع أسوأ من الذي وصلت إليه الأمور الآن؟».
مخاوف الانتقام
وأوضح مالك أن النساء والأطفال الذين يحتمون لساعات طويلة في ملاجئ تحت الأرض عبروا عن مخاوفهم من نهب منازلهم من القوات الحكومية في حال تركوا بيوتهم، في حين عبر آخرون عن مخاوفهم من الاعتقال أو الانتقام من قبل القوات الحكومة، خصوصاً أنهم لم يتلقوا أي ضمانات بالسلامة على أرواحهم. وقال مالك عن هناك أكثر من 2000 شخص في حاجة إلى إجلاء طبي فوري من الغوطة الشرقية، وهو رقم ارتفع بشكل كبير خلال الهجوم الأخير.
وذكر أبو ألمى الذي اختبأ في قبو أحد الأبنية لأسبوعين مع زوجته وطفلته الرضيعة، وتقيم عشر أسر أخرى معهم، إنهم لا يخاطرون بالخروج إلا للبحث عن الدواء أو لجلب الطعام الذي قاموا بتخزينه في البيت قبل شهور.
وقال بحسب ما نقلت عنه «رويترز»: «إحنا ساكنين بشكل دائم بالقبو. عم ندبر حالنا، شو بدنا نعمل؟»
وتقصف الطائرات الحربية والمدفعية المنطقة الخاضعة لمسلحي المعارضة قرب العاصمة دمشق منذ أكثر من أسبوعين في واحد من أدمى الهجمات في الحرب المستمرة منذ نحو سبع سنوات. ويقول سكان إنه مع اقتراب المعارك، فرت آلاف الأسر من منازلها وانتقلت إلى عمق المنطقة. وكانت أقبية المباني مكتظة بالفعل قبل ذلك. وقال أبو ألمى في مدينة دوما «في كتير خوف أن يدخل النظام، ومن ناحية تانية الناس ما بدها تطلع من الغوطة. بدهم يضلوا في بيوتهم بالأقبية، صعب بس (سوف) يكون أصعب بكتير الوضع (الآن) بالمخيمات».
