«أنا ابن من رفع حبل المشنقة حول عنقه، وقتل نفسه بسبب فقره وعوزه. أنا شاب لبناني أغلقت الدنيا أبوابها في وجهي. لا مسكن لي ولشقيقَيّ، لا مأكل ولا ملبس، ولا وظيفة لنا». هذه العبارة لم ترِد ضمن فصول مسرحية، بل أتت على لسان شاب لبناني عشريني، يدعى زهدي (والده انتحر بسبب فقره، عام 2011). ردّدها بصوت عالٍ مرات عدّة قبالة صخرة الروشة في بيروت، شاهراً بيده سكيناً شطّب به رأسه.. ولمّا تجمهرت الحشود حوله، قال لهم: «إذا أراد الفقير منّا بيع كعكة على الكورنيش، هاجمته القوى الأمنية ورمته في السجن».

وكان الشاب العشريني يقول ما لم يعلن عنه والده الخمسيني، يوم لفّ الملاءة البيضاء حول عنقه، مكتفياً بتدوين رسالة، كانت أشبه بجلْد الذات وتسجيل فعل الندامة لإقدامه على الانتحار، قال فيها: «يا ربّ، سامحني على هذا العمل المحرّم. يا ربّ، لم يعد في اليد حيلة. ليس لي مهنة تسدّ جوع أولادي، وليس لي مسكن. يا ربّ، ضعفت حيلتي، ولم أقوَ على إعالة عائلتي». وخطّ في ختام رسالته سطوراً موجّهة إلى أحد رجال الدين: «أرجو من سماحتكم إسداء طلب خاص، ثمّة ثلاثة شبان عاطلين عن العمل، ثلاثة شبان لم توفّقني الحياة بإعالتهم.. شكراً».

وعود

وحدها رؤيته لأطفال صغار أتوا مع أقرباء له، جعلته يتراجع عن قراره بالانتحار، بعد استماعه إلى الوعود التي أغدقها عليه الكبار، وهو الذي سئم كل الوعود.. استيقظ من كبوته بغتة، أطرق رأسه، وعاد برفقة أحد رجال الدفاع المدني إلى ملاذه، هناك قرب البحر.. في العراء، حيث بقي ينام، منتظراً تأمين خيمة صغيرة له، كدلالة رمزية يقول إنه يستطيع الاعتصام داخلها!

لاحقاً، أعاد قراءة رسالة والده الذي كان طُرد قبل موته بأشهر من وظيفته لأسباب طائفية. عادت صورة الأب المشنوق، وعادت معها ذكريات تربّعت في ذاكرته، من مرض سرطان الثدي المثقل على والدته، إلى ضيق حاله وغيرها من الصور.

دنا من باحة عالية عن سطح البحر، قبالة صخرة الروشة. رفض انتظار الحشود والوعود. «لم يصادف يوماً أن انتشلنا جسداً ينبض بالحياة، من هذا القعر»، قال المسعفون. لكن زهدي، وعلى رغم إصابته بنزيف دماغي وكسور في قفصه الصدري وسائر أنحاء جسده، ما زال قلبه ينبض، وربما ينام إلى الأبد، ويدرك أن موته، كما موت والده، ما هو إلا موت أصمّ، بالكاد يُنشر كخبر عرضي في وسائل الإعلام: انتحار شاب عشريني!.

خطّ ساخن

تحت عنوان «الحكي بطوِّل العمر»، أطلقت جمعية «Embrace»، في الجامعة الأميركية في بيروت، الخطّ الساخن الأوّل للوقاية من الانتحار في لبنان. وذلك، في ضوء الدراسات التي أظهرت، أخيراً، أن نسبة محاولات الانتحار في لبنان، وهي 2% من إجمالي عدد السكان، تُقارِب معدّل نسب محاولات الانتحار في 17 بلداً وهي 2.7%. غير أن الأرقام المتعلقة بالانتحارات المكتملة، والتي تنشرها منظّمة الصحّة العالميّة، تضع لبنان في مراتب منخفضة وبعيدة من المعدل العالمي (0.2% في لبنان مقارنة بـ1.4% عالمياً).