لم تصمد الهدنة في الغوطة أكثر من ساعات، في أعقاب تجدّد غارات وقصف قوات النظام عدة مناطق في الجيب المحاصر، ما أدّى إلى مقتل طفل وإصابة سبعة، وفيما أبدت فصائل معارضة التزاماً بإخراج عناصر جبهة تحرير الشام «النصرة سابقاً» وعائلاتهم من الغوطة، حذّرت المعارضة السورية من أنّ تؤدّي الهدنة إلى تغيير ديموغرافي، بينما توعّدت بريطانيا بالمشاركة في شن ضربات عسكرية ضد النظام السوري، حال ثبوت استخدامه أسلحة كيماوية ضد المدنيين.

وبعد ساعات من الهدوء الذي ساد الغوطة بعد سريان وقف إطلاق النار، تجدّد قصف قوات النظام عبر غارات وإلقاء براميل متفجّرة. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن استهداف الطيران السوري للغوطة بغارات جوية وإلقاء برميلين متفجرين، فيما اتهم الإعلام الرسمي الفصائل المقاتلة بإطلاق قذائف على المعبر الذي من المقرر أن يخرج منه المدنيون لمنع خروجهم واستخدامهم دروعاً بشرية.

وفي وقت لاحق، ذكر المرصد أنّ طفلاً قتل وأصيب سبعة مدنيين، أمس، جراء تجدد قصف قوات النظام والطائرات الحربية على مناطق في الغوطة. وقال المرصد في بيان، إنّ قوات النظام استهدفت بأربع قذائف على الأقل مناطق في بلدة جسرين، ما تسبب بمقتل طفل وإصابة سبعة مواطنين آخرين بجراح متفاوتة الخطورة.

ووفق المرصد، نفّذت الطائرات الحربية غارتين استهدفتا مناطق في عربين، في حين استهدفت بغارة مناطق في بلدة كفربطنا، كما استهدفت غارتان مناطق في بلدة الأفتريس، وألقت مروحية تابعة للنظام برميلين متفجرين على مناطق في بلدة الشيفونية.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن «ضربات جوية أصابت بلدتين بالغوطة الشرقية، أمس، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته روسيا، إلا أن مصدراً بالجيش السوري نفى ذلك». وأضاف المرصد، أن «طائرات هليكوبتر أسقطت قنبلتين على بلدة الشيفونية، وقصفت طائرة حربية بلدة الأفتريس». ونفى مصدر الجيش السوري التقرير.

اتهامات

في الأثناء، نقلت وكالة تاس للأنباء عن الجيش الروسي، اتهامه لمقاتلي المعارضة بإمطار ممر إنساني بقذائف المورتر. وأضاف الجيش أنه لم يتمكن مدني واحد من المغادرة عبر الممر الذي يهدف إلى السماح للمدنيين بالخروج من منطقة الصراع.

من جهتها، نفت جماعة جيش الإسلام، منع المدنيين من مغادرة الغوطة، وقصف ممر إنساني للخروج. وقال رئيس المكتب السياسي لجيش الإسلام ياسر دلوان: «لم نمنع أحداً والمدنيون يتخذون قرارهم».

التزام فصائل

بدورها، التزمت فصائل مقاتلة، أمس، بإخراج عناصر لجبهة تحرير الشام «النصرة سابقاً» وعائلاتهم من الغوطة الشرقية، وفق بيان مشترك أصدرته الفصائل. وأعلن البيان الذي وقعه جيش الإسلام وفيلق الرحمن وحركة أحرار الشام: «التزامنا التام بإخراج مسلحي تنظيم هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة والقاعدة، وكل من ينتمي لهم وذويهم من الغوطة الشرقية لمدينة دمشق خلال 15 يوماً من بدء دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي». واقترحت الفصائل أن يتم ذلك وفق آلية يتم الاتفاق عليها خلال الفترة نفسها، وبالتعاون مع مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا.

أسف روسي

من جهته، قال الكرملين، إن تشغيل ممر الإجلاء، الذي ساعدت روسيا في فتحه، من الغوطة الشرقية سيعتمد على قوات المعارضة. وأفاد الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في مؤتمر عبر الهاتف، أمس، بأنّ روسيا تأسف للوضع في الغوطة، وأن موسكو ستواصل العمل على مساعدة المدنيين على مغادرة المنطقة رغم ما وصفه باستفزازات المعارضة.

تهجير قسري

إلى ذلك، اعتبرت المعارضة السورية، الهدنة تهجيراً قسرياً لسكان الغوطة، مؤكدة أن الأمر سيؤدي لتغيير ديموغرافي يعيد للأذهان ما حدث في مضايا والزبداني وحلب. وأكّد رئيس هيئة التفاوض السورية نصر الحريري، أنّ العرض الروسي أفرغ القرار الأممي 2401 من مضمونه وأصبح بلا قيمة، مشيراً إلى أنّ الهدف من ذلك هو إفراغ الغوطة من أهلها وإحداث التغيير الديموغرافي وهذا أمر لا يمكن القبول به أبداً.

من جهته، قال الناطق باسم هيئة التفاوض يحيى العريضي، في تغريدة على «تويتر»: «ليس هناك فرق بين الفيتو في مجلس الأمن والفيتو على الأرض، بوتين استخدم الفيتو رقم 12 على أرض الغوطة». في المقابل، رحبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من جانبها بأي إجراء يسمح للراغبين في المغادرة من المناطق التي تتعرض للقصف حفاظاً على حياتهم.

فيما طالب عضو الهيئة السياسية لجيش الإسلام محمد علوش، من تبقى من عناصر جبهة النصرة بالخروج من الغوطة، محملاً النظام وروسيا مسؤولية استعصاء النصرة في الغوطة، لغياب الممرات الآمنة لانسحابهم.

مطالب إجلاء

على صعيد متصل، قالت الأمم المتحدة، إن القتال والقصف استمرا في الغوطة، أمس، ما حال دون وصول أي مساعدات للجيب المحاصر. وقال الناطق باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ينس لاريكه في إفادة في جنيف: «وردت إلينا تقارير هذا الصباح تفيد باستمرار القتال في الغوطة الشرقية، من الواضح أن الوضع على الأرض في حالة لا تسمح بدخول القوافل أو خروج حالات الإجلاء الطبي». وأضاف: «إنها مسألة حياة أو موت - إذا كانت هناك مسألة حياة أو موت، نريد وقفاً للأعمال القتالية لمدة 30 يوماً في سوريا كما طالب مجلس الأمن». بدوره، أكّد الناطق باسم منظمة الصحة العالمية طارق جسارفيتش، أنّ أكثر من 1000 مريض وجريح على قائمة الهلال الأحمر العربي السوري لمن يحتاجون لإجلائهم، مضيفاً: «لكن ليس لدينا أي معلومات حديثة بشأن حدوث شيء من هذا القبيل الآن أو قريباً».

وعيد بريطاني

في السياق، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، إن بلاده قد تشارك في الضربات العسكرية الأميركية ضد النظام السوري، إذا ظهر دليل يثبت استخدام أسلحة كيماوية ضد المدنيين. وأضاف جونسون: «إذا علمنا أن هذا حدث واستطعنا إثباته وإذا كان هناك اقتراح بالتحرك في وضع يمكن للمملكة المتحدة أن تفيد فيه فأعتقد أننا سنبحث الأمر بجدية».

تحقيق

كشفت مصادر دبلوماسية، عن أنّ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تحقق في هجمات وقعت في الغوطة الشرقية، لتحديد ما إذا كانت ذخائر محظورة قد استخدمت. وقالت المصادر التي رفضت الكشف عن أسمائها، إن المنظمة فتحت تحقيقاً في تقارير تحدثت عن تكرار استخدام قنابل الكلور، مشيرة إلى أنّ من بين الهجمات التي سيتحرى بشأنها فريق تقصي الحقائق التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الهجوم الذي وقع الأحد الماضي، وقالت سلطات طبية محلية إنه قتل طفلاً وسبب أعراضاً مشابهة لأعراض التعرض لغاز الكلور. ولا يعتزم فريق التحقيق السفر إلى الغوطة لدواعٍ أمنية، إلّا أنّه سيجمع شهادات وصوراً وتسجيلات فيديو وسيجري مقابلات مع خبراء طبيين.

انقلاب

وصف قيادي بائتلاف المعارضة السورية، الهدنة الإنسانية بأنها انقلاب على قرار مجلس الأمن الدولي الأخير. وقال الناطق باسم الائتلاف أحمد رمضان: «ما أسموه وقفاً إنسانياً لإطلاق النار، هو انقلاب على القرار الأممي الأصلي، روسيا لم ترغب يوماً في وقف إطلاق النار في الغوطة الشرقية، وقد كان هذا واضحاً».

واعتبر رمضان أن الروس جاءوا بفكرة وقف إطلاق النار لخداع المجتمع الدولي الذي يمارس ضغطاً على موسكو ويهدد باللجوء إلى وسائل أخرى، متهماً روسيا بعدم ممارسة أي ضغط على حليفها الرئيس السوري بشار الأسد لوقف عمليات القتل في الغوطة.

دعوات

طالبت واشنطن، موسكو بأن تستخدم نفوذها على النظام السوري لكي يوقف فوراً هجومه على الغوطة. وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت في بيان، إنّ النظام السوري وداعميه الروس والإيرانيين يواصلون الهجوم على الغوطة رغم نداء مجلس الأمن لوقف إطلاق النار.

وأضافت: «النظام يزعم أنّه يحارب إرهابيين، لكنه عوضاً عن ذلك يروّع مئات آلاف المدنيين بالغارات الجوية والقصف المدفعي والصاروخي، وبهجوم بري يلوح في الأفق، استخدام النظام لغاز الكلور كسلاح لا يؤدي إلا إلى زيادة السكان المدنيين بؤساً»، مشيرة إلى أنّ روسيا لديها النفوذ لوقف هذه العمليات العسكرية إن هي اختارت احترام التزاماتها المنصوص عليها في قرار وقف إطلاق النار.