تواجه موريتانيا كغيرها من بلدان شمال إفريقيا موجات من المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء الإفريقية، وعلى مدى سنوات طويلة تدفق عشرات الآلاف نحو الأراضي الموريتانية، من السنغال ومالي وغينيا وغانا وساحل العاج وغيرها، وشيئاً فشيئاً تحولت الأراضي الموريتانية إلى معبر للهجرة السرية يؤرق الأوروبيين قبل الموريتانيين.

استغلت شبكات التهريب اتساع الأراضي الموريتانية وحدودها الطويلة مع البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، إضافة إلى شاطئها الممتد لأكثر من 750 كيلومتراً على المحيط الأطلسي، لنقل المهاجرين عبرها ثم التسلل نحو أوروبا عبر جزر الكناري الإسبانية التي لا تبعد عن الساحل الموريتاني سوى 100 كيلومتر.

ويعتبر هذا المنفذ الأسهل للمهاجرين الأفارقة القادمين إلى الأراضي الموريتانية، باعتباره يوصلهم إلى البر الأوروبي مباشرة، إلا أن الكثيرين منهم يتجنبون ركوب أمواج المحيط والمواجهة مع خفر السواحل الموريتانية، ويفضل عوضاً عن ذلك عبور الصحراء نحو المغرب أو الجزائر، في انتظار أن يجد فرصة للانتقال إلى الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

إجراءات صارمة

سعت السلطات الموريتانية، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وخاصة إسبانيا، إلى وضع استراتيجية أمنية صارمة للحد من تسلل المهاجرين، وتلقت كتشجيع على ذلك دعماً مالياً تجاوز ثلاثة مليارات من «الأوقية» خلال سنوات قليلة، إضافة إلى دعمها بمعدات بحرية حديثة لمراقبة السواحل، كما سنّت الدولة الموريتانية قوانين رادعة للتعامل مع ظاهرة الهجرة السرية، ووضعت نظاماً صارماً لمنح التأشيرات، واستحداث نظام بيومتري للحالة المدنية وتسجيل الأجانب.

ونفذت عمليات قبض وترحيل للكثير من المقيمين غير الشرعيين، خاصة في مدينة نواذيبو الساحلية القريبة نسبياً من جزر الكناري الإسبانية. وبرغم ذلك، لم ينقطع توافد المهاجرين الحالمين بجنة أوروبا إلى موريتانيا، لكن السلطات الموريتانية تحاول أن توازن بين رغبات الأوروبيين الذين يمارسون الضغوط ويريدون منها التشديد على المهاجرين عبر إبعادهم من الأراضي الموريتانية وسد المنافذ أمامهم، وبين رفض حكومات الدول التي ينحدر منها المهاجرون عمليات الترحيل القسري أو المنع من الإقامة، وتدرك السلطات الموريتانية جيداً أن ذلك قد ينعكس سلباً على الجاليات الموريتانية المقيمة في تلك البلدان.

ظروف اللاجئين

وبإمكان المرء وهو يتجول في شوارع العاصمة نواكشوط أن يلحظ أعداداً معتبرة من هؤلاء المهاجرين المتربصين، بعضهم لا يحب اللقاءات الصحافية ويتوارى عن الكاميرات، بينما البعض الآخر لديه كامل الاستعداد والحماس للحديث عن ظروف حياته وأسباب مغادرته وطنه الأصلي، ومن بين هؤلاء ممادو إبراهيم، وهو شاب ثلاثيني غادر بلده غينيا كوناكري قبل سنتين، وقرر التوجه إلى السنغال ومنها إلى موريتانيا، يقول: «قدمت إلى هنا لتحسين أوضاعي المعيشية، وإذا وجدت فرصة للهجرة إلى أوروبا لن أتردد في اغتنامها، ولكني أخشى أن أصبح ضحية عصابات التهريب، أو أقع في يد الأمن الموريتاني».