دخلت المواجهة القائمة بين موسكو وواشنطن مرحلة جديدة مع تفاقم الصدام غير المباشر في سوريا، ما يهدد بتقويض الجهد المبذول للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة، وفتح ملفات جديدة للصراع إقليمياً ودولياً.
ومنذ التدخل العسكري المباشر في سوريا، أعرب عدد من السياسيين والباحثين الروس عن قناعة بأنه «مهما كان شكل الحل في سوريا، فهو سينعكس على تسويات المشكلات في الشرق الأوسط، وعلى آليات بلورة النظام الدولي الجديد».
تفاقم الصراع في سوريا بين موسكو وواشنطن، الذي اتخذ خلال الآونة الأخيرة أبعاداً ميدانية وعلنية ولم يعد يقتصر على تبادل الاتهامات والحروب الإعلامية، بدأ يعكس مؤشرات خطرة إلى انزلاق موسكو وواشنطن نحو مواجهة مفتوحة لا يمكن التكهن بعواقبها.
وحمل الاتهام الروسي لواشنطن بالوقوف وراء المجموعات المسلّحة التي أسقطت أخيراً الطائرة الروسية قرب إدلب بعداً خطيراً، لأنه استند إلى معلومات استخباراتية تشير إلى شروع واشنطن بنقل أسلحة فتاكة إلى المعارضة، كما يؤكد نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما فرانز كليفيتيس، كما أنه يشكل امتداداً لاتهام سابق لواشنطن بأنها كانت على علم وربما ساعدت المجموعات المسلّحة السورية في استهداف قاعدة حميميم بطائرات مسيرة.
ودللت وزارة الدفاع الروسية على صحة الاتهام بالإشارة إلى تحليق طائرات استطلاع أميركية فوق المكان أثناء تنفيذ الهجوم.
مقتل روس
ولعل حادثة القصف التي نفذتها طائرات التحالف الدولي لمقاتلين موالين للنظام السوري في دير الزور قبل أسبوعين، تشكل رفعاً لمنسوب الخطورة في المواجهة الروسية- الأميركية، إذ بدأت تتكشف معلومات حول وجود روس بين القتلى والجرحى، رغم تضارب المعلومات بشأن إن كانوا عسكريين أم مدنيين.
ففي آخر هذا الملف، كشف مصدر مطلع أميركي أن الروس الذين استهدفتهم طائرات التحالف، هم فرقة خبراء متخصصين في اصطياد عناصر تنظيم داعش، ويطلق عليهم «صيادو داعش».
وأكد المصدر لـ«البيان» أن واشنطن كانت تترصد حركة هؤلاء الخبراء ونشاطهم طوال الفترة الماضية، ومن خلال معلومات مؤكدة عن مقار هذه المجموعة نفذت العملية، مشيرة إلى أن هذه العملية تأتي في إطار التنافس الأميركي- الروسي على اصطياد عناصر التنظيم.
ويرى خبراء عسكريون أن كلاً من روسيا وأميركا تريدان بسط السيطرة على المنطقة الشرقية، لذلك ما زال تنظيم داعش يحتفظ ببعض المناطق النائية في ريف البوكمال، بسبب هذا التنافس على المنطقة الشرقية.
وقال المقدم محمد العبود قائد المنطقة الشرقية السابق في دير الزور، إن فرص أميركا حتى الآن أكبر في السيطرة على المناطق الشرقية، خصوصاً أن المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في الجهة التي تنتشر فيها قوات سوريا الديمقراطية، الأمر الذي يمنح أميركا وحلفاءها من توسيع السيطرة على المنطقة الشرقية وانتزاع مناطق داعش.
مشهد تنافسي
المشهد الميداني السوري بكل تفاصيله، من العملية العسكرية التركية في الشمال التي بررت موسكو «الدعم الصامت» إزاءها باتهام واشنطن بالسعي إلى السيطرة على المناطق الحدودية السورية مع تركيا، إلى السجالات القائمة حول الوجود الأميركي في الجنوب ومناطق الشرق، إلى حادثة القصف الأخيرة، بات يوحي بأن التنافس الروسي- الأميركي على مناطق النفوذ في سوريا يشكل «الجزء الظاهر» من جبل الخلافات الممتد إلى ملف العقوبات المتبادلة على خلفية الأزمة الأوكرانية والتمدد العسكري الأطلسي على طول الحدود الغربية لروسيا والذي ردت عليه موسكو بنشر صواريخ استراتيجية وتوجيهها إلى عواصم أوروبية تنتشر فيها منظومة «الدرع الصاروخية الأميركية».