دفعت مئات بل آلاف العائلات السورية ثمن الحرب مرتين، وربما أكثر، ففي كل مرة تواجه العائلة السورية المأساة بوجه جديد، تارة بالموت وأخرى بالتهجير، وثالثة بفقدان الأهل والأحباب عبر بوابتي الموت والنزوح. تعيش العائلات في مناطق الصراع قصصاً لا تُحتمل، الألم والمأساة دائماً حاضرتان في كل تفاصيل المشهد التراجيدي.

أم مهند فتاة دمشقية تزوجت في الرابعة عشرة من عمرها فلاحاً بسيطاً، وأنجبت منه ثلاثة أطفال: مهند، أحمد، أسماء. عاشت العائلة حياة الأمان والاستقرار، إلى أن جاء اليوم الذي تعرض فيه أبو مهند إلى حادث سير أودى بحياته، لتنقلب حياة الأسرة رأساً على عقب.

أخذت الأم على عاتقها كامل المسؤولية، وقرّرت أن تقوم بالدورين معاً من أجل الاستمرار في الحياة برغم كل الظروف الصعبة، إذ بدأت بالعمل خياطة ألبسة ليلاً، والطبخ في المناسبات والأعياد نهاراً، لتحاول بقدر الإمكان سد الفراغ الذي خلّفه موت زوجها، وتلبي القليل من احتياجاتهم، كانت لهم الأم والأب والراعي والناصح، حاولت أن تكون بالنسبة إليهم كل شيء، وتعوضهم عن كل نقص.

كبر الأطفال، وبلغ مهند الخامسة والعشرين من عمره، وأرادت أمه أن تفرح به وتقر عينها بأحفادها، فزوجته ابنة عمه، وكحّلت أم مهند عيونها برؤية حفيدتها الأولى، وبعد مرور وقت قليل حملت زوجته بابنها الثاني.

رحيل زوج

انطلقت أحداث الثورة في ضواحي دمشق، فما كان من مهند إلا أن انضم إلى حراكها، وشارك في العديد من الاحتجاجات والتـــظاهرات، حتى استقرت طلــقة قناص غادرة في قلبه أردته قـــتيلاً خلال ثوانٍ، ليترك خلفه أماً ثكلى، وطفــلة يتيمة، وزوجة مكلومة، وفي أحشائها طفلة يتّمتها الحرب قبل أن ترى النور، وإخوة دون عائل. بعد أشهر من وفاة مهند، أنجبت الزوجة طفلتها الثانية، وعاشت الفتاتان حياة اليتم والحرمان من عطف الأب وحنانه، وعادت الجدة إلى العمل من جديد، لتستطيع بقدر الإمكان أن تعوّضهم ولو بجزء بسيط عن فقدانهم لوالدهم. كبرت الفتاتان ليصبح عمر إحداهما خمس سنين، والأخرى سنتين.

موت جديد

وبلغ أحمد، شقيق مهند، الذي قتل في الثورة، عامه الـ22، وما كان منه إلا أن تزوج زوجة أخيه، ليسد الفراغ الذي تــركه زوجها، ويعوض بنات أخيه عن عاطفة الأبوة التي حرموا منها، ويضع العائلة تحت كنفه. اندلعت المواجهات المسلحة من جديد، وتكثف القصف على الحي الذي تسكنه أم مهند، لتطول قذيفة هاون غادرة أحـــمد بوسط منزله، وتودي به قتيلاً بين زوجته وأمه وأطفاله الثلاثة. كان وقع ذلك على الأم كالصاعـــقة، ولم تحتمل ما جرى.

انهيار أسرة

حاولت الأم أن تستوعب الصدمة، لكنها كانت أكبر منها ومن قوتها البشرية، لم تستطع الأم تحمّل الصدمة، فأدى ارتفاع معدل السكر إلى فقدانها الرؤية بشكل كامل، أما الزوجة فأصيبت بانهيار عصبي نتيجة عدم قدرتها على قبول الواقع التي ستعيشه مجدداً، وأن بناتها رجعن إلى حضن اليتم من جديد وحياة البؤس والحرمان التي ما لبثوا أن خرجوا منها. لم تستطع أم مهند مقاومة حــجم الألم والمأساة، فأصيبت بسكتة قلبية غادرت على أثرها الحياة، أما الأم فبينما كانت تهم بالعودة إلى بيت أبيها بعد أن تقطعت بها السبل، أصيبت بقذيفة أنهت حياتها، وبقيت الفتاتان في بيت الجد إلى هذه اللحظة، لا أم ولا أب.