كأنما انتابه إحساس باقتراب الرحيل، غيّر صورة الغلاف لصفحته الشخصية على «فيسبوك». وضع ابن الـ16 ربيعاً صورة له في تشييع شهيد فلسطيني، وكتب تعليقاً قال فيه «بتسألوني عن أكبر أمنية عندي؟ زفة مثل هذه». كان ذلك في 6 ديسمبر الماضي.

في 31 يناير، أي بعد مرور 25 يوماً على وضع الصورة وأمنيته بزفافه عريس شهادة، كانت جنازة ليث أبو نعيم في بلدته «المغيّر»، الواقعة شمال شرق رام الله، أكبر من عمره وأصغر من حجم المشاعر الوطنية في وجدانه وحكاية استشهاده. هذا الفتى رفض مطالبة عمّه بتغيير الصورة باعتبارها «فألاً» مرعباً، إذ إن ابن الـ16 عاماً وحيد أمّ رحلت حين كان في الثالثة من عمره، وأب تزوّج من أخرى.

فضّل الفتى أن يعيش مع جدّته التي كان يعتبرها أمه الثانية. من بين ثنايا الحكاية، يمكن لأي متابع أن يتنهّد ويقول: يا الله، كم تحب هذه الجدة هذا الحفيد وتخاف عليه!. كيف لا، وقد تكفّلت بتعويضه حنان الأم ومرارة الفراق.

كان خوف الجدّة والعم له الكثير مما يبرره، إذ إن ليثاً كان اسماً على مسمّى، أدرك الفكرة باكراً ولم يتخل عنها، ولم يكن يسمع بعد بصاحب المقولة، المناضل التشيكي يوليوس فوتشيك. كان مترجماً أميناً لمعنى اسمه. الليث ديدنه الهجوم والافتراس، وليث عنوانه الاشتباك مع المحتل وإن بالحجر.

لم يكن يفوّت مناسبة تستفز عينيه فيها قوة من جيش الاحتلال تقتحم قريته، إلا ويقول للمحتلين بلسان من حجر: لا مكان لكم هنا.. اخرجوا من حياتنا ومن أعمارنا الغضّة.. وتذهب رسالة الرفض على جناح حجر.

جدته، الفلاحة البسيطة، كانت تخشى عليه كثيراً كلّما علمت أنه شارك في معركة مع جنود الاحتلال بين أطفال مدجّجين بأسلحة دمار شامل من نوع «حجارة» وجنود مكللين بورود الـ«إم 16»، وقنابل من شدّة حبّها للعيون تُدمِعُها.

ردّ ليث ممازحاً عمّه حين ألح عليه استبدال صورة التشييع بأخرى لا «فأل» مزعج فيها: «أحب الشهداء، وأحب رؤية جنازاتهم وكيف يودعهم الناس». سكت العمّ ولم يضغط عليه، محتفظاً في قلبه وعقله بما يليق من الإعجاب بفتى يحتفظ بهذه الروح..

وبقيت الصورة حتى بعد استشهاد ليث. الاستشهاد له طقوس كثيراً ما تتكرر. بالنسبة لليث، كان ذلك يوم الثلاثاء 30 يناير الماضي. كانت عقارب الساعة تعانق العاشرة وعشر دقائق صباحاً. عاد ليث باكراً إلى البيت، «ليش مروّح»؟ يسأله عمه فتحي عوض أبو نعيم (65 عاماً) والمتكفل بتربيته إلى جانب جدته، يرد ليث بأن رأسه تؤلمه ويحتاج إلى النوم.

رصاصة واحدة

عند الثانية عصراً، أفاق من نومه وذهب للقاء أصدقائه في ساحة واسعة وسط البلدة دأبوا على لعب كرة القدم فيها. حلم ليث أن يصبح ذات يوم لاعب كرة قدم ويمثّل فلسطين في محافل العالم، رغم علمه أن حلم أي فلسطيني دونه احتلال صهيوني يتفنن في قتل الأحلام أو تسييجها بالحواجز وجدران العنصرية.

فيما كانوا يلعبون في الساحة، اقتحمت أربع آليات عسكرية إسرائيلية وسط البلدة وتوقفت قبالة الفتية. نزل جندي وأطلق من مسافة مترين طلقة واحدة اخترقت عين ليث واستقرت بالرأس. ظل ذلك الجندي واقفًا عند رأسه حتى تأكد من استشهاده وغادر المكان، ربما ليعطي تصريحاً لصحيفة غربية يتحدّث فيه عن جيشه «الأكثر أخلاقيّة في العالم»، بعدما فقد جنوده وإعلاميوه جرأة الحديث عن «جيش لا يقهر».