أينما حل المطر يحل الخير، هذه القاعدة التي اعتدنا عليها في العالم العربي والإسلامي. فالمطر في كل مكان رمز للخير والتفاؤل والبركة، وغالباً ما نقول حين تتساقط زخات المطر «الله يبعث الخير»، لكن لكل قاعدة شواذ.

في مخيمات شمرين وغيرها من المخيمات في ريف حلب الشمالي قرب الحدود السورية التركية، ثمّة مأساة لا تشبهها أية مأساة، فالكل يتألم من هطول المطر، والكل يكره المطر، كيف لا وهذا المطر هو المسؤول عن تشرّد مئات العائلات من هذه المخيمات.

«البيان» وقفت على حال هذه المخيمات التي هجرتها كل المنظمات الإنسانية، لترى حجم المأساة التي يعيشها اللاجئون السوريون أينما نصبوا خيمة. وحتى هذه الخيمة لم تعد تغني أو تسمن من جوع في ظل قسوة الشتاء التي تجبرهم على مغادرة الخيمة.

خيام تزول

في كل شتاء، تتجدد المأساة في المخيمات السورية، وبمجرّد سقوط الأمطار، تزول الخيام وترحل من مواقعها، بينما تبحث العائلة عن مأوى جديد يحميها من برد الشتاء. سألنا أحد المقيمين في تلك المخيمات، ماذا تفعلون في فصل الشتاء؟ فكان جوابه أشبه بإجابة عسكري على جبهات القتال: لا خيار لنا إلا القتال ضد الشتاء.

لخّص ذلك الرجل الحقيقة التي يعيشها اللاجئون السوريون في تلك المخيمات، وأضاف: لا نعلم أين نحتمي من الشتاء وخصوصاً المطر الذي يسحق مخيماتنا.. سألنا وناشدنا العديد من المنظمات لكن من دون جدوى، بينما حين تسأل الفصائل المسلّحة أية دولة لجلب السلاح من أجل الحرب، ترى العديد من الدول تتهافت لبذل الأموال من أجل التسليح.

يكمل الرجل الذي التقته «البيان» في جولتها على مخيم شمرين الذي يبعد حوالي 20 كيلو متراً عن الحدود السورية التركية، ثمة أطفال يعانون البرد ونقص الملابس، يمضون كل الشتاء بملابس واحدة، نريد فقط أن تحمينا المنظمات من برد الشتاء، فلا نعلم في أية لحظة يموت أطفالنا من شدة البرد.

الأطفال في سوريا هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب، فقد حولتهم الحرب إلى سلعة يسهل المتاجرة بها، بعد أن يفقدوا عائلاتهم والبعض منهم يلوذ بالفرار من جحيم الحياة في تلك المخيمات.

العمل باكراً

وحوّلت الأوضاع المتردية في سوريا، مع مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، عدداً كبيراً من الأطفال إلى أيتام، بعد فقد من يعيلهم، واضطرت الكثير من الأجساد الصغيرة إلى تحمل مشاق العمل في عمر مبكر، ما يعيق إسهامهم المنتظر في بناء مستقبل مشرق لبلادهم بعد الدمار الكبير.

في هذه المخيمات، التي شهدت «البيان» على أوضاعها المأساوية، ترى الأطفال يبيعون البسكويت وأشياء أخرى من أجل أن تستمر الحياة، فلا حل أمام الفقر والمأساة إلا العمل مهما كانت الظروف.

تجولت «البيان» في مخيم شمرين، وشاهدت كم أن العالم يترك اللاجئين السوريين فريسة لموسم الشتاء، دون أن يتدخل أحد، بينما تستمر المأساة، في تناقص أعداد الطفولة التي ذهبت ضحية الشتاء.. بعضهم يفر إلى المجهول ومن يبقى سيواجه البرد والحاجة ويعيش الصراع المر إلى أن ينتهي فصل الشتاء.