يكابدون العيش في سماوات غياهب واقع مرير، إن أمسكت فيه نوراً تبدّد لا محال، مع أنهم هم من جعلوا من الوطن وقضيته أنجماً سامرة علّقوا عليها أحلامهم وطموحاتهم في الحياة.
لكن غزة مدينة الفقراء صارالسمر فيها نحيباً والنجوم مثقوبات. شباب بأرواح مثقلة يبحثون عن الاستقرار كما تائه في السديم يبحث عن مستقر أو نجاة. في نظر الكثيرين، الزواج ليس حلماً صعب المنال، لكن في نظر شباب غزة صارت دقّة الباب لأجل الخِطبة تكلّفهم ما ليس في وسعهم احتماله في ظل أوضاع قاسية لم تمكنهم من أن يصيبوا هدفاً أو يحققوا غاية.
رمزي قاسم (33 عاماً)، خريج منذ ما يقارب 11 عاماً وحتى اللحظة لم يحصل على فرصة عمل ثابتة تمكنه من الولوج إلى معترك الحياة والبدء بتكوين أسرة ولا غرابة في ذلك، فالإنقسام الحاصل في يونيو 2006 وما تلاه من حصار مفروض على القطاع أرجع الناس عقوداً إلى الوراء، فاستخدمت أدوات بدائيه كالحطب للطهي ومصابيح الكاز للإنارة، وصار المرء منهم يخاف الجوع أكثر من خوفه من (العنوسة).
أمران مرتبطان
يقول قاسم وهو يسكن مع أسرته المكونة من سبعة أفراد: لم أكن أتخيل منذ تخرجي أن أبقى من دون عمل وزواج، فالأمران مرتبطان ببعضهما، ولن أتمكن من الزواج قبل حصولي على فرصة عمل طال انتظارها.
يضيف: سوء الأوضاع الاقتصادية في غزة سبب رئيس لعزوف الشباب عن الزواج، فلقد انعكست آثار هذه الأوضاع علينا فصار همنا في المقام الأول لقمة العيش. ويشير إلى أنه استطاع الإستفادة من وقت الفراغ لديه بتنمية مهاراته في مجالات عدة، أهمها الحاسوب والبرمجيات.
ويوضح رمزي قائلاً: ضيق الحال لم يمنعنا من الزواج فحسب، بل ثمة عوارض نفسية صار يعاني منها الشباب أبرزها فقد ثقتهم بأنفسهم والمحيط، متسائلاً وبسخرية يكتنفها الأسى: هل الشاب غير القادر على تأمين مصروفه الشخصي بوسعه أن يتحمل مصروف عائلة؟ ناهيك عن الإحباط وحالة الفراغ التي يعاني منها الشباب.
وفي المقابل تشهد غزة جراء البطالة وسوء الأحوال السياسية ازدياداً في حالات الطلاق بلغت ما نسبته 43 % قبل الدخول و16.6، بعد الدخول بحسب ما أشار رئيس المجلس الأعلى للقضاء في غزة حسن الجوجو، في إشارة إلى أن الزواج صار عبئاً على الشباب فقل منسوبه، وعبئاً أكبرعلى المتزوجين فارتفعت نسبة الطلاق.
النصف الآخر
ومن الطبيعي أن تنعكس عنوسة الرجال على النصف الآخر من المجتمع، وفق إحصائية أدلى بها الداعية عماد حمتو قبل شهر تؤكد أن 125 ألف فتاة عانس في غزة، ناهيك عن ظاهرة غلاء المهور وتشدد أولياء الأمر في مطالبهم جعل من زواج الشباب أمراً صعباً، ليست العنوسة فحسب وليس رمزي وحده. ففي فوضى حطام العيش يبحث هؤلاء الشبان عن وطن أضناه الأسى ومستقر أسري يتراءى لهم واقعاً لاحلماً يهدده الإحتلال من جهة ومناكفات الساسة من جهة أخرى.
