يجلس أبومحمد العباسي، الموظف المتقاعد، أمام بيته يشكو سوء حال أسرته المكونة من ثمانية أفراد، وسط مخاوف من انقطاع راتبه التقاعدي، نتيجة لجوء الاحتلال لاحتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية، رداً على المواقف الفلسطينية الأخيرة.
يقول أبو محمـد إنه يضطر للاستدانة بشكل يومي لتأمين قوت أسرته، لاسيّما وأنّ أحد أبنائه طالب جامعي وتحتاج والدته المسنّة الأدوية بشكل يومي، وأكبر مخاوفه أن يفشل يوماً في استدانة ما يلبي احتياجات أسرته حال عجز عن رد ديونه نتيجة عدم تسلّمه راتب الشهر.
ويضيف أبو محمد لـ «البيان»: «ما إن توقف إسرائيل عائدات الضرائب، وندخل في أزمة جديدة للرواتب، لقد تغيّرت مجريات حياتي بالكامل، فلا دخل لي غير راتبي الشهري، ولا معيل للأسرة غيري، الالتزامات كثيرة ودخلي الشهري لا يكاد يلبي الحد الأدنى منها، فكيف سيكون الأمر بانقطاعه؟، لا سبيل لدي سوى الاستدانة من الأصدقاء ممن يقدّرون ظروفي، لكن هذا الأمر عادة ما يسبب لي الحرج الشديد ويضعفني».
ولا يبدو أمين العباسي ابن عم أوبمحمد أوفر حظاً منه، فهو غارق في الديون أيضاً إذ اقترض من البنك لإكمال بناء وعمل توسعة بيته. ورداً على سؤال عن كيف سيعيش حال انقطاع راتبه، قال:«لو يقطعوه أحسن!!.. احترت لمن أدفع من أصحاب الدين عليّ، هذا غير القسط البنكي للقروض، الأمر صعب جداً، نحن نتكيّف في حياتنا على قدر الراتب، فإذا نقص منه شيكل واحد، يشكل لنا أزمة!!».
إجراءات احتلال
وكعادة الاحتلال لا ينفك من الوقوف ضد أي مواقف فلسطينية لا تؤيد سياساته، بل إنه عادة ما يلوّح باتخاذ إجراءات عقابية، كفرض الحصار وتقييد حركة المواطنين، وغيرها من الإجراءات المألوفة، والتي اعتادها الفلسطينيون، إلّا أنّه لجأ مؤخّراً وفي أكثر من مناسبة لحجز عائدات الضرائب الفلسطينية، بهدف ابتزاز مواقف سياسية في سرقة رسمية وعلنية، وتحد سافر للقانون الدولي، لاسيّما وأن هذه العائدات ليست منّة بل أموال فلسطينية خالصة.
وبعد كل موقف فلسطيني يكسر هيمنة الاحتلال أو حتى لمجرد تحقيق أي انجاز على الصعيد الدولي، يعمد إلى تجميد عائدات الضرائب الفلسطينية، فالخطوة لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة لمثل هذه الممارسات العقابية بحق السلطة الفلسطينية، إذ كان هذا الأسلوب يظهر بوضوح، مع كل اقتراب فلسطيني لتطبيق اتفاق المصالحة، في تدخل إسرائيلي فظ بالشأن الفلسطيني الداخلي.
ابتزاز
وعند كل مواقف رضوخ الاحتلال على قلتها، عبر الإفراج عن مستحقات الضرائب الفلسطينية التي تلجأ لاحتجازها كنوع من العقاب، لابتزاز تنازلات فلسطينية، فهي لا تسدي معروفاً للفلسطينيين، فهذه المستحقات ليست إغاثة إسرائيلية، بل أموال فلسطينية خالصة، تمّ اقتطاعها من الضرائب المفروضة على التجار الفلسطينيين.
وترى المستشارة القانونية الفلسطينية تمارا الصياد، أنّ حجز عائدات الضرائب، يشكّل سرقة علنية، تمارسها إسرائيل، للضغط على الفلسطينيين ومحاولة ابتزازهم، حيث تختار الأوقات التي يكون فيها المواطن الفلسطيني، أحوج ما يكون لاستلام راتبه الشهري، لتوفير لقمة العيش لأفراد أسرته، فتلجأ لحجز هذه العائدات، التي تعتمد عليها السلطة الفلسطينية إلى حد كبير في دفع رواتب موظفيها.
سوء نوايا
وتلفت الصياد لـ«البيان»، إلى أنّ مواقف كبار المسؤولين الإسرائيليين، والتي لا تخلو من التهديد والوعيد بفرض العقوبات، وأبرزها تجميد العائدات الفلسطينية، تؤشر بوضوح على سوء النوايا، لاسيّما وأنّها تأتي غالباً على خلفية إنجازات فلسطينية على الصعيد الدولي، وهو ما تأكّد بالالتفاف العالمي المؤيد للحقوق الفلسطينية.
ويجبي الاحتلال الضرائب الفلسطينية بموجب اتفاق باريس الاقتصادي، الذي وقعته مع السلطة الفلسطينية، وجمّدت الأخيرة العمل به مؤخراً، ضمن القرارات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية، في ختام اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الشهر الجاري.