«عفرين».. رسائل في اتّجاهات عدة

لم يكن ما أوحت به أنقرة باعتبار عمليتها في منطقة عفرين السورية، رداً على إعلان الولايات المتحدة عزمها تشكيل قوة «حماية حدود» في شمال وشمال شرق سوريا، قوامها ثلاثون ألف جندي من قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية، إذ إن الكلام التركي عن هذه العملية ظهر قبل ثلاث سنوات، وجرى التأجيل مرّات عدّة متلاحقة ارتباطاً بالوضع الميداني حيناً وبحسابات متعلّقة بالعلاقات مع واشنطن أو موسكو أحياناً أخرى.

ولا تقتصر معركة عفرين على أبعاد عسكرية وميدانية، بل تتجاوز ذلك بما تحمله من جوانب سياسية وملامح مواجهة متعددة الجوانب، في إطار حرب أنقرة ضد الأكراد، واستمرار الجفاء مع الدولة السورية في الآن ذاته.

صحيح أن توقيت المعركة الحالية بدا كردٍّ على الإعلان الأميركي بتأسيس القوة الكردية، لكنّه تزامن مع حملة الجيش السوري وحلفائه في محافظة إدلب المتاخمة، وهي حملة تنسف الأحلام التركية الباحثة عن نفوذ في الشمال السوري، يمثّل «حصّة» أنقرة من كعكة الأزمة السورية، طالما أن حلم تركيا بسقوط النظام قد تبخّر لأسباب عدة، أهمّها تطورات الوضع الميداني الذي أفضى إلى تبدّلات في المواقف الدولية.

وعلى طرفي المعادلة توجد موسكو، حليف النظام، وحليف تركيا كذلك، والتي أخذت جانب أنقرة في الاعتراض على القرار الأميركي. وبمعزل عما تقوله أنقرة في سوق مبرراتها، فإن منطقة عفرين، تحمل أهمية كبرى لتركيا، ففي هذه المنطقة الحدودية مع تركيا يتمترس مقاتلون أكراد تعتبرهم أنقرة إرهابيين، وهي منطقة تفصل بين مناطق سيطرة قوات درع الفرات التركية ومحافظة إدلب في الغرب. وفي حال أحكمت تركيا السيطرة عليها فذلك سيقضي على إمكانية أي تواصل جغرافي بين الكانتونات الكردية الثلاثة شمال سوريا، وبالتالي القضاء على السعي الكردي للفدرلة، إن لم يكن الانفصال.

موقف موسكو

ويتساءل العديد من المراقبين عن الموقف الحقيقي لموسكو، وهي الحليف لدمشق والمتقاربة إلى درجة قريبة مع أنقرة وشريكتها في مسار آستانة. ويرى بعضهم أن أنقرة استغلت الاستعداد الروسي لعقد مؤتمر سوتشي حول سوريا نهاية الشهر الحالي، لكي توصل رسالة ميدانية عبر عفرين.

ويعتقد محللون أن تركيا تمكّنت، عبر تنسيقها الوثيق مع روسيا وتبادل المصالح معها، من التمهيد لعملية عفرين، حيث تخفّف موسكو من وزن التمثيل الكردي في مؤتمر سوتشي بعد فشلها في حرمان الأكراد من المشاركة. وفي الوقت نفسه، تغض موسكو النظر عن التدخل التركي في الأرض السورية، مقابل إبعاد أنقرة للفصائل المتشددة التي تدعمها عن المشهد في إدلب، وإفساح المجال أمام النظام للتقدم على الأرض فيها.

وثمة مؤشرات على أن الجهود التي قامت بها تركيا قد أثمرت في الحصول على الموافقة الروسية، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية قبل بضعة أيام مع بدء الحملة التركية، سحب قواتها من منطقة عفرين إلى منطقة تل رفعت لـ«منع الاستفزازات المحتملة، واستبعاد الخطر الذي قد يُهدد حياة الجنود الروس».

وقد جاءت الموافقة الروسية الضمنية مباشرة فور إعلان الجيش السوري سيطرته الكاملة على مطار «أبو الظهور» العسكري الاستراتيجي، والذي كان النظام وحلفاؤه يسعون للسيطرة عليه منذ مطلع يناير الجاري، غير أنهم فشلوا أكثر من مرة نتيجة مقاومة الفصائل المدعومة من تركيا.

وهو ما يُشير إلى احتمالية حدوث صفقة «إدلب مقابل عفرين» بين أنقرة من جهة وموسكو ودمشق من جهة أخرى، على غرار صفقة «حلب مقابل الباب» في ديسمبر 2016 عندما تخلّت تركيا عن المعارضة في حلب مقابل السماح لقوات المعارضة المدعومة من تركيا بالسيطرة على مدينة الباب.

كما أن موافقة موسكو الضمنية جاءت بعد تأكّدها من أن الأكراد باتوا الأداة الرئيسية للولايات المتحدة في سوريا لاستعادة نفوذها هناك بعد فترة من الانفراد الروسي بالتحكم في مجريات الأمور في سوريا، وفق محللين.

الموقف الأميركي

الجانب الأميركي الذي يدعم الجماعات الكردية، ويتّخذ من الحالة الكردية غطاء لبقاء قواتها في شمال سوريا، وتؤسس عليها ما وصفه وزيرا خارجيتها ودفاعها باستراتيجية مواجهة الدورين الروسي والصيني في المنطقة، ومنع التمدّد الإيراني، فهو معني بما يجري ويتصرف على النحو الذي يخدم سياسته وأهدافه.

ورغم الدعم الذي تقدّمه واشنطن للمقاتلين الأكراد، إلا أنها سبق ورفضت إعطاءهم ضمانات بالتدخل لحمايتهم حال وقوع أي هجوم من طرف أنقرة، حيث قال المتحدث السابق باسم قوات سوريا الديمقراطية طلال السلو، إن واشنطن رفضت إعطاء ضمانات للمقاتلين الأكراد لحماية عفرين من أي عملية تركية محتملة.

مؤكّداً أنه سأل بريت ماكفورك المبعوث الأميركي الخاص إلى تحالف محاربة تنظيم داعش عندما التقى به ذات مرة وطلب منه مساعدة عفرين، فكان جواب ماكفورك، أن واشنطن لن تدعم عفرين وإذا كانت عفرين تريد داعماً آخر فلتجد لنفسها داعماً، وعندما قال له سلو: ربما يكون الروس، قال ماكفورك: ليس هناك أي مانع من قبلنا.

اتجاه المعركة

تركيا التي تعرف الطبيعة الجغرافية الصعبة والمعقّدة للشمال السوري، زجّت بمسلّحين سوريين يعملون بإمرتها ليكونوا وقود الميدان البري.

فهناك في شمال سوريا آلاف المسلّحين المتشددين الذين يعملون تحت العباءة التركية، ويرفعون راية جبهة النصرة مرة وفيلق الرحمن مرة وأحرار الشام مرة والجيش الحر مرات. ومن الواضح أن الجهد البري في الحرب التي يخوضها الأتراك يقع على عاتق هذه الجماعات التي تقول إن من أولى نتائج حشودها للشراكة في حرب عفرين كان سرعة خسارتها مواقعها في ريف إدلب، وهو ما سيتكرّر في معارك إدلب المستمرة.

ويعتقد خبراء عسكريون أنه بحكم حجم التعبئة الوجودية التي تقوم بها الجماعات الكردية من جهة، وخبراتها القتالية ونوعية تسليحها من جهة مقابلة، فسيكون لحرب عفرين دور تدميري لقدرات قتالية حقيقية للجماعات المسلّحة التي يشغلها الأتراك بديلاً عن جيشهم في الميدان، وسيكون طبيعياً أن تنتهي هذه الحرب، وقد فقد الأتراك الشريك السوري الذي كانوا يستعدون لدخول المعادلة السياسية السورية بوساطته، أو يكون هذا الشريك قد خسر الكثير من عناصر قوته.

فرض المعادلة

لكن الطرف الرئيسي الذي يشكّل عنوان الحرب هو الجماعات الكردية نفسها. فالقيادة الكردية تدرك أن حربها مع الأتراك هي التي ستقول كلمة الفصل حول مستقبل تطلعهم السياسي في سوريا، ولذلك فإن الجانب الكردي سيرمي بثقله للفوز بالصمود في عفرين، بالقدر الذي يحتاج لفرض معادلة سياسية تتعلّق بموقعه في الخارطة السياسية، سواء لحساب تفاهم مع الدولة السورية ينتهي بحماية المناطق الكردية أو ينتهي لحساب الانسحاب من الحرب كلها.

ويبدو أن تركيا التي شعرت مع نهاية داعش وتقدّم الجيش السوري بدعم روسي إيراني في إدلب، شعرت بأنها ما لم تبادر لفرض معادلة جديدة مع الأكراد فستفرض عليها معادلة معاكسة بقوة الدعم الأميركي والتفهّم الروسي الذي يلقاه الأكراد، ولذلك سيضطر الأتراك لرفع أهمية الحرب إلى درجة عالية ويضعون ثقلهم السياسي والدبلوماسي والعسكري للفوز بها، لكنهم سيجدون أنفسهم أمام كتل صلبة قادرة على الصمود، وأمام جدار سياسي ليس سهلاً تخطيه، ما سيجعل الحرب استنزافاً عسكرياً سياسياً لمكانة تركيا ودورها ومصادر قوتها.

نأي أميركي

موقع «النشرة» اللبناني، نقل عن «مصادر مطّلعة» تأكيد واشنطن أن لا علاقة لها بمنطقة العمليات غرب نهر الفرات منذ أشهر عدة، وتقول، على نحو عتابي، إنها في السابق كانت طلبت من القوات الكردية الانسحاب نحو شرق الفرات بعد انتهاء عملية طرد عناصر تنظيم «داعش» من منبج، وتلفت إلى أن هذا الأمر دفع بمجلس منبج العسكري التابع لقوات «سوريا الديمقراطية»، إلى طلب الحماية من الجانب الروسي، حيث تم الاتفاق على نشر قوات من حرس الحدود السوري في المناطق الفاصلة بين تلك القوات وفصائل «الجيش السوري الحر»، العاملة ضمن عملية «درع الفرات»، المدعومة من أنقرة.

تعليقات

تعليقات