نالت كل مناطق الأكراد نصيبها من تداعيات الحرب في سوريا إلّا عفرين، هي الاستثناء؟ لقد تجنّبت من حسن حظّها دمار الحرب وصراعاتها الدموية عدا مناطق محيطة كانت ساحة نزال بين فصائل الجيش الحر وتنظيم داعش.
تحتل عفرين أو مدينة الزيتون كما يطلق عليها كثيرون واجهة الأحداث في سوريا، وهو أمر مردّه تنامي الرغبة التركية في اجتياح المدينة لإسقاط تجربة الإدارة الذاتية والتخلص من هاجس وحدات حماية الشعب، التي تعتبرها خطراً على أمنها القومي، ما بات يشكّل قلقاً يقض مضاجع الجميع من استئناف معركة جديدة تقضي وبشكل نهائي على آمال الحل السياسي.
ومع بداية الوعيد التركي بالاجتياح خلال اليومين الماضيين، رصدت «البيان» من داخل عفرين تفاصيل الحياة اليومية، واستطلعت آراء المدنيين والمقاتلين، فيما إذا كان إعلان أنقرة قد يجبرهم على النزوح، لتأتي الإجابة من الجميع ملخصها التمسك بالبقاء في المدينة مهما كلف الأمر، فالنزوح يبقى خياراً غير مطروح بعد أن أدرك الكل عذاباته ومآلاته.
بدت الأسواق في حركة طبيعية، غير مهتمة بالإعلان التركي، بل إنّ الحركة التجارية في المدينة لم تتغير أو تتأثر على الإطلاق بالإعلان التركي. ورصدت «البيان» خلال جولتها داخل المدينة على مدار أيام، تنامي الحركة التجارية بشكل مكثف، لاسيّما وأنّ عفرين حلقة الوصل بين المناطق التي تسيطر عليها فصائل درع الفرات وإدلب، بل أن الحركة العمرانية بدت أكثر انتعاشاً، في ظاهرة ليست متوفرة في أية مدينة سورية.
تعايش ومقاومة
يشير عدد من مقاتلي وحدات حماية الشعب، إلى أنّ الإعلان التركي عن بدء عملية عفرين كان متوقعاً في أية لحظة، لذلك فإنّ الأوضاع الأمنية لم تتغير على المستوى العسكري، فيما تعايش الطرفان مع المناوشات التي عادة ما تحدث على الجبهات المحاذية لفصائل درع الفرات وكذلك على الجانب التركي، والقصف بالهاون والرد عليها. ويشير المقاتلون إلى أنّ أي عملية اجتياح عسكري ستجد مقاومة شرسة، وما تجربة عين العرب «كوباني» ببعيدة عن الأذهان، في إشارة واضحة إلى القتال حتى النهاية.
قصف ليلي
على نحو طبيعي تسير الحياة في عفرين، فهي بطبيعة الحال والجغرافيا بعيدة عن أي حالات توتر عسكري، على اعتبار أن نقاط المواجهات تبعد أكثر من 30 كيلو متراً عن قلب المدينة، الأمر الذي يفسّر الهدوء وسير الحياة اليومية دون توتر في الأسواق، مع بعض الهواجس التي لا يخفيها السكان من تجربة حرب جديدة.
عادة ما تبدأ المناوشات بين الجانبين التركي والكردي، في آخر الليل، حيث تبدأ القذائف تسقط على أطراف المدينة، ويُسمع صوتها حتى في داخل المدينة. واعتاد السكان على سماع أصوات القصف ليلاً حتى أنه بات جزءاً من الحياة اليومية، وعلى الرغم من ذلك تجد المقاهي وبعض المحلات التجارية لا تتوقف في الليل رغم القصف الذي تعايش السكان معه.
محيط عفرين
يمكن اعتبار عفرين بأنّها تعيش الوضع الأصعب من الناحية العسكرية، إذ تتوزع القوى المناوئة لوحدات حماية الشعب في كل مكان، فمن الجهة الشرقية للمدينة تنتشر فصائل درع الفرات المدعومة تركياً، والتي يصل قوامها إلى 30 ألف مقاتل من كافة الفصائل، وعادة ما تجري المناوشات على هذه الجبهة، فيما تنتشر قوات النظام السوري ومليشيات حزب الله ولجان محلية، فضلاً عن دوريات للشرطة العسكرية الروسية، في نبل والزهراء الواقعتين جنوب شرق عفرين.
وبشأن الوجود الروسي في عفرين، هناك نقطة عسكرية واحدة للمراقبة في كفرجنة وهي قوات مراقبة ليس أكثر، بالإضافة إلى مراقبين عسكريين روس في بلدة تل رفعت في مقاطعة الشهباء، بناء على اتفاق أبرم مع الفصائل المنتشرة هناك للمراقبة، كما أن تل رفعت أعلنت كمنطقة لفض الاشتباك ووقف القتال.
ومن جهة الجنوب تقابل عفرين ريفي حلب الغربي وإدلب الشمالي، إذ تنتشر هناك هيئة تحرير الشام وبعض من حركة أحرار الشام التي انحلت مؤخّراً بعد معارك مع هيئة تحرير الشام حركة نور الدين الزنكي، فضلا عن فصائل أخرى. وتحاول كل هذه الفصائل التقدم نحو المدينة في كل مرة، إلّا أن انتشار وحدات حماية الشعب تفرمل هذه المحاولات.