حالة من الغليان يعيشها الشارع السوداني، منذ أن أطل عام 2018، الذي حملت أيامه الأولى إشارات واضحة لأيامه الباقيات، فبين ليلة وضحاها انفلت كل شيء، وفاقت الأحوال حد الاحتمال، بعد أن بلغ سعر «رغيف الخبز» الواحد جنيهاً كاملاً بدلاً من 50 قرشاً، وتبع ذلك زيادات في كل أسعار السلع الضرورية، مع ندرة في بعضها، الجميع بات يجأر بالشكوى ويتوجس من القادم المجهول، فلا ثمة حل يلوح في الأفق، بعد أن عجزت كل الحيل والحلول التي ظلت تتبعها الحكومة طيلة السنوات الماضية.
غضب عالق
وبدأت مطلع يناير نذر الغضب العالق تتدلى، وكانت جامعة الخرطوم حاضرة في المشهد برغم الحصار المضروب عليها من قبل الشرطة وقوات جهاز الأمن، وظل طلابها يحتجون طوال الأيام التي أعقبت إجازة موازنة العام الجديد، غير أنهم مُنعوا من النزول للشارع، وتبعتها جامعات أخرى في العاصمة وبعض الولايات التي خرج طلابها منددين بالأوضاع المعيشية القاسية، فانطلقت التظاهرات في مدن مثل الجنينة بغرب دارفور التي سقط فيها أحد الطلاب قتيلاً، وفي مدينة سنار وسط البلاد، وكذلك في الدمازين حاضرة ولاية النيل الأزرق، ونيالا بجنوب دارفور، كل تلك التظاهرات تعاملت معها الأجهزة الأمنية بالقوة وفرقتها بالغاز المسيل للدموع.
كسر الصمت
وفي العاصمة الخرطوم، استطاع الحزب الشيوعي السوداني أن يكسر حاجز الصمت عبر موكب سلمي اخترق وسط الخرطوم، برغم الطوق الأمني المحكم على حديقة الشهداء، وأسمعت الهتافات المنددة بسياسات الحكومة آذان القصر الرئاسي الذي يبعد أمتاراً معدودة من مكان الموكب، وهو الأمر الذي لم تكن تتوقعه السلطات، مما دعاها إلى الإسراع في استخدام القوة لتفريق المتظاهرين من خلال إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وضربهم بالعصي والهراوات، ومطاردتهم في «أزقة» السوق العربي بالخرطوم، كما أنها اعتقلت عدداً منهم، للحيلولة دون توغلهم أكثر والتحامهم مع مرتادي السوق العربي.
استمرار الرفض
لم تكن التظاهرة التي دعا الحزب الشيوعي آخر مراحل الاحتجاج على سياسات الحكومة السودانية الاقتصادية، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، حيث تلتها وقفة احتجاج أخرى دعت إليها قوى المعارضة، ممثلةً في تحالفاتها المختلفة بميدان المدرسة الأهلية بوسط العاصمة الوطنية أم درمان، غير أن أجهزة الأمن تعاملت معها في حين انطلاقها وأخمدتها في مهدها، كما أنها استبقتها بإغراق الميدان المحدد للوقفة، ومنعت الاحتشاد والتجمهر بالقرب منه، بعد محاصرته بسيارات الأمن وناقلات الجنود، وفرقت الذين استطاعوا دخول الميدان بالغاز المسيل والضرب المبرح بالعصي، مما أدى إلى إصابات وسط المتظاهرين وبعض الإعلاميين، وأعلنت قوى المعارضة استمرارها في تنظيم مواكب الرفض.
فشل حكومي
فالحكومة، بحسب مراقبين، فشلت في كبح جماح الأسعار وإطفاء لهيب الأسواق المشتعلة، فلم تعد ما أعلنت عنه من إجراءات مجدية، في ظل وضع يزداد كل يوم انهياراً، كما أن حزبها الحاكم (المؤتمر الوطني) أعيته الخلافات الداخلية وحالت بينه وأزمات البلاد، فهو برغم أنه صاحب النصيب الأوحد في اتخاذ القرار في حكومة الوفاق الوطني وإقراره بالضنك المعيشي، فإنه لم يتخذ الإجراءات الكفيلة لإنقاذ الوضع الاقتصادي الموشك على الانهيار في هوة المجهول، ويشير رئيس مجلس شوري المؤتمر الوطني كبشور كوكو إلى أن هناك تدابير تجري الآن لم يفصح عنها، معتبراً التظاهرات والتعبير السلمي حقاً دستورياً مسموحاً به، إلا في حال جنحت للتخريب.
موازنة وهمية
بدوره، حمّل النائب بالبرلمان السوداني فيصل ياسين، في تصريح لـ«البيان»، الجهازين التنفيذي والتشريعي مسؤولية الوضع الاقتصادي الذي وصفه بالمتردي في البلاد.