وصاية تاريخية للأردن على المقدسات في القدس

■ النار تشتعل في المسجد الأقصى بعد إحراقه على يد إرهابي يهودي | أرشيفية

بدأت الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس منذ عقود، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

وقد عزز هذه الوصاية اتفاق رسمي وقعه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان عام 2013. وتتركز الوصاية الأردنية على هذه المقدسات في رعاية وصيانة وحماية المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة وكنيسة القيامة، والمقدسات الأخرى الإسلامية والمسيحية والبلدة القديمة.

ويخوض الأردن مواجهات عديدة سياسية وقانونية ضد سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس من خلال المنظمات والهيئات الدولية مثل مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو، والآيسيسكو وغيرها.

ويشارك بشكل دائم في التصدي للإجراءات الاحتلالية في القدس، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، أمام الاعتداءات الإسرائيلية، وقد تجلى ذلك في موقف الأردن الحاسم عندما قامت سلطات الاحتلال بنصب الكاميرات والبوابات الإلكترونية على مداخل المسجد الأقصى.

الهاشميون والقدس

ارتبط الهاشميون تاريخياً بعقد شرعي وأخلاقي مع مكة المكرمة والمقدسات الإسلامية، فحفظوا لها مكانتها، ونأوا بها عن خصومات السياسة. ومع قيام الدولة الأردنية، استكملت في ظل الولاية الهاشمية مسيرة الحفاظ على المقدسات في القدس.

فإن عبدالله الثاني وعباس وقعا في عمان في مارس 2013 اتفاقاً تاريخياً، أعيد فيه التأكيد على الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة، وتضمن منح الملك الحق في بذل جميع الجهود القانونية للحفاظ عليها، خصوصاً المسجد الأقصى، المعرّف في الاتفاقية على أنه كامل الحرم القدسي الشريف.

الإعمار الأول

تصدى الهاشميون لمزاعم الصهيونية في القدس، والتي مثلت تهديداً مباشراً للمدينة العربية وتراثها الحضاري، وأسس في القدس عام 1922م المجلس الإسلامي الأعلى كمنظمة إسلامية أهلية للحفاظ على تراث القدس الشريف، الذي بادر بجمع الأموال اللازمة لترميم قبة الصخرة.

وتبرع الشريف الحسين بن علي بمبلغ 50 ألف ليرة ذهبية، لإعمار المسجد الأقصى ومساجد أخرى في فلسطين، لتشكل أساس المال الإسلامي لإعمار المقدسات، ملبياً بذلك نداء أهل القدس، حين زاره وفد مقدسي عام 1924 في الحجاز، برئاسة الحاج أمين الحسيني رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في ذلك الوقت، وأطلعه على المخاطر التي يتعرض لها المسجد الأقصى.

وأسهمت عملية الترميم التي باركها الحسين بن علي في بيت المقدس، بصمود مرافق المسجد الأقصى حين ضرب زلزال عنيف المنطقة عام 1927.

الملك المؤسس

«ليس الفلسطينيون إلا مثل الشجر كلما قُلِّم نبت»، هذا ما قاله مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية الملك الراحل عبد الله بن الحسين (الأول)، خلال لقائه ونستون تشرشل في القدس في 21 مارس 1921، رافضاً وعد بلفور، ومصرّاً على جعل أمر فلسطين بيد أهلها. ولم تقتصر عناية الملك المؤسّس على المقدسات الإسلامية وحسب، فقد شارك شخصياً في إخماد حريق كاد يدمر كنيسة القيامة عام 1949.

الإعمار الثاني

ما إن تولى الملك حسين بن طلال سلطاته الدستورية في الثاني من مايو 1953، حتى صدرت توجيهاته إلى الحكومة الأردنية بترميم قبة الصخرة، التي أخذت في فقدان بريقها بفعل عوامل الطقس والزمن، وبعد أن أخذت المياه تتسرّب إلى الداخل. وأمر في عام 1954 بتشكيل لجنة بموجب قانون خاص لإعمار المقدسات في القدس.

وتتابع الاهتمام بالقدس ومقدساتها عام 1959، وهو تاريخ بدء الترميم الثاني الذي موّله الأردن، إلى جانب دعم قدمته بعض الدول الإسلامية الأخرى، واستمر الترميم الثاني حتى السادس من أغسطس 1964.

الإعمار الثالث

تعرض المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969 إلى حادثة أليمة، عندما اقتحم إرهابي يهودي المسجد وأشعل النار فيه، ما أدى إلى تدمير معظم أجزاء المسجد الأقصى. ومن بين أهم الأجزاء، منبر صلاح الدين، وهو منبر أحضره من حلب القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الذي حرر المدينة من الصليبيين عام 1187،.

ومسجد عمر الموجود في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، ومحراب زكريا، ومقام الأربعين، والمحراب الرئيسي للمسجد والقبة الخشبية الداخلية، ونوافذ المسجد والجدار الجنوبي، كما تعرض السجاد الذي يغطي أرض المسجد إلى الحريق والخراب.

إثر ذلك، تمت بأمر من الملك الراحل حسين بن طلال إعادة ترميم المسجد الأقصى، حيث تم استبدال ألواح الألمنيوم القديمة للقبة بألواح نحاسية مذهبة محكمة الإغلاق، كما شمل التعمير مناطق أخرى في الحرم الشريف والقدس.

لجنة إعمار

في عهد الملك عبدالله الثاني، تشكّلت لجنة إعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة بموجب قانون. وأولت اللجنة عنايتها بالمسجد الأقصى، وما يشتمل عليه من مساجد وقباب ومحاريب ومساطب وغيرها من المعالم الحضارية، وأجرت أعمال الصيانة بشكل متواصل، وأزالت آثار الحريق الذي جاوز أكثر من ثلث مساحة المسجد، إضافة إلى إعمار مسجد قبة الصخرة المشرفة الأول. وشملت مشاريع الإعمار جميع محتويات ومكونات المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة على المساحة الكاملة لهما والبالغة 144 دونماً.

تعليقات

تعليقات