تعتمد إيران على سفرائها كأذرع تجسسية، وتشير الوقائع والمعلومات إلى العديد من السفراء الذين كانوا أعضاء في «فيلق القدس» والذين عملوا سفراء في بلدان مختلفة، ولديهم في ذلك الإطار ثلاث مهام رئيسية تحت إدارة وإشراف قاسم سليماني (قائد فيلق القدس). تلك المهام يحددها الباحث السياسي الإيراني المعارض حسن هاشميان، أولها: إنشاء شبكات تجسس يديرها السفراء وتعمل على تهديد أمن الدول التي يتواجدون فيها، وثانيها: مهمة نقل السلاح وإنشاء ميليشيات وإدارتها في تلك البلدان، وثالثها: عمليات غسيل الأموال وتزوير الأوراق النقدية في الدول ذاتها التي يعمل فيها هؤلاء السفراء.
القائمة تضم العديد من السفراء الإيرانيين الذين كانوا أعضاءً في فيلق القدس، من بينهم على سبيل المثال –لا الحصر- سفراء إيرانيون لدى دمشق وبيروت وبغداد، وجميعهم أعضاء في فيلق القدس، وكانوا يشرفون على شبكات تجسس ونقل سلاح وإنشاء ميليشيات وإدارتها، فضلًا عن شبكات سرية لغسيل الأموال وتزوير العملات.
شبكات غسيل الأموال التي يشير إليها هاشميان باعتبارها أحد المهام الرئيسية الثلاث التي حددها، يمكن الاستدلال عليها بواقعة اتهام محكمة أميركية في مارس 2016 لمستشار البعثة الدبلوماسية الإيرانية لدى الأمم المتحدة أحمد شيخ زاده بارتكاب جريمة «غسيل الأموال والتهرب من الضرائب». وأقر المتهم في نوفمبر 2016 بتآمره لانتهاك القانون الدولي للسلطات الاقتصادية الطارئة. في جانب آخر واضح من أنشطة الأفاعي الزاحفة إضافة إلى الأنشطة التجسّسية وعمليات الاستقطاب والتجنيد.
تجسس وتدخّل
ولا تتوقف ممارسات «أفاعي طهران» عند ذلك الحد الذي أورده هاشميان في النقاط الثلاث سالفة الذكر، إذ تكشف العديد من الوقائع (منها ما هو معلن ومنها ما لم يتم كشفه أو تسليط الضوء عليه بشكل كافٍ) والمتهم فيها دبلوماسيون إيرانيون، عن ذلك الدور المباشر في دعم الصراعات الداخلية في بعض الدول ودعم العناصر والكيانات الإرهابية، والتي يمكن إيجازها في محطات رئيسية من بينها على سبيل الأمثلة لا الحصر الدور الذي لعبه دبلوماسيون إيرانيون في «الكويت»، ففي العام 2010 اكتشفت خلية إيرانية تجسّسية لصالح الحرس الثوري داخل الأراضي الكويتية وتم إصدار أحكام بإدانة أعضاء الخلية من بينهم إيرانيين اثنين، وتم اتهام 7 من خلية التجسس بالتخابر مع السفارة الإيرانية، وفي 2011 تم طرد دبلوماسيين إيرانيين بعد اتهامهم بالتجسس، تعاملت معهم الكويت وفق الأصول الدبلوماسية واعتبرتهم «أشخاصاً غير مرغوب فيهم».
وفي 2015 وفي الكويت أيضًا، اكتشفت قضية «خلية حزب الله في الكويت» أو «خلية العبدلي»، وكشفت حيثيات الحكم الصادرة في القضية ذاتها والتي تضمنت إعدام متهم إيراني، عن أن «المتهمين كانوا يعقدون اجتماعاتهم داخل السفارة الإيرانية في الكويت، وبتخطيط دبلوماسي إيراني». وقامت الكويت بتخفيض التمثيل الدبلوماسي لإيران لديها على ضوء تلك القضية.
تعاملت إيران مع الكويت من خلال شبكات التجسس والتدخلات في الشؤون الداخلية، واستخدمت «جهات تابعة لها في الكويت لارتكاب سلسلة من التفجيرات في مراحل مختلفة»، وهو ما يشير إليه المحامي الكويتي محمد السبتي في شهادته حول الأذرع الإيرانية في بلاده والتي كانت عمليات التجسس حاضرة بوضوح من خلال تلك الأذرع والشبكات التي تم اكتشافها في فترات سابقة.
لبنان ومصر
واستخدمت طهران أذرعها كذلك في لبنان على مدار تاريخ التدخلات الإيرانية في بيروت من أجل استقطاب العديد من العناصر لاسيما في السياق المذهبي وأيضًا الدعم السياسي لـ «حزب الله» الإرهابي، والمجال يتسع لذكر طبيعة التدخلات الإيرانية في العديد من البلدان غير أننا نركز على رصد الأدوار التي يلعبها دبلوماسيو طهران أو أفاعيها الزاحفة.
وفي مصر اعتبر عام 1987 رئيس بعثة رعاية المصالح الإيرانية ويدعى محمود مهتدي «شخصاً غير مرغوب فيه» عقب أن وجهت إليه اتهامات بالقيام بأنشطة تجسسية مرتبطة بمراقبة حركة الناقلات المتجهة إلى العراق في قناة السويس.
وإبان ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 رصدت المخابرات المصرية تحرّكات مريبة للقائم بالأعمال الإيراني، وطالبته آنذاك بالالتزام بدوره الدبلوماسي، وفق ما كشف عنه في وقت سابق المسؤول السابق بالمخابرات الحربية المصرية اللواء تامر الشهاوي، وذلك الدور في خضم محاولات إيرانية مختلفة لاختراق مصر واستهدافها. وشهدت مصر في وقت سابق عقب ثورة يناير تظاهرات احتجاجية ضد القائم بالأعمال الإيراني من بينها تظاهرة في أبريل 2013 طالبت بطرده في إدراك لطبيعة الدور الذي تلعبه البعثات الدبلوماسية الإيرانية.
وتكشف المصادر جوانب لم يسلط عليها الضوء بشكل كافٍ عن الأدوار التي لعبها القائم بالأعمال الإيراني، لاسيما في فترة السفير مجتبى أماني (رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية) والتي كانت مصر خلالها تشهد تطورات سياسية فاصلة ما بين ثورتي يناير ويونيو. وتم تسفير 200 رحلة لإيران في تلك الفترة في ظل مرحلة الاضطراب الأمني في مصر إلى أن استقرت الأمور في مصر وتم الكشف عن تلك الخلايا، حتى أن بعض رجال الدين قد سافروا إلى إيران، ضمن محاولات استقطابهم عبر القائم بالأعمال.
استقطاب مذهبي
وبالآلية نفسها تم استقطاب العديد من العناصر «المُتشيّعة» وتسهيل عمليات تسفيرهم إلى إيران من بينهم (ط.ه) ونجله الذي سافر أيضًا لدراسة الطب في إيران، إضافة إلى (و.ع) وجميعهم شخصيات شهيرة في مصر، إضافة إلى العديد من الطلاب المصريين الذين تم تسهيل مهمة تسفيرهم إلى إيران من خلال مجتبى أماني، للدراسة في جامعة المصطفى في لبنان أو طهران.
ووفق ما لديه من معلومات، يوضح الباحث المختص في الشؤون الإيرانية علاء السعيد، أن هنالك أشخاصاً ليس لهم علاقة بالتشيع لكن تم استقطابهم للعمل على تسهيل تسفير عناصر شبابية إلى إيران، مثل شخص يدعى (أ.ص)، من إحدى محافظات شمال مصر، قام بتسفير أكثر من 13 رحلة لإيران، الرحلة الواحدة تضم مجموعة من 10 إلى 15 شخصًا، وكان يحصل على الشخص الواحد ألفي دولار من إيران عبر القائم بالأعمال، وتم كشفه من خلال أجهزة الأمن، وانتهى الموضوع،. كما أن بعض الصحافيين تم استقطابهم عن طريق القائم بالأعمال (رئيس بعثة المصالح الإيرانية)، بعد ترتيب زيارات لهم لإيران للمشاركة في مناسبات مختلفة مثل «يوم الأرض».
ويذكر أحد المصادر اسم دبلوماسي إيراني يلعب دورًا مشابهًا في إحدى دول شمال أفريقيا الأحرف الأولى من اسمه (س.م) ونجح في استقطاب العديد من الشباب والسياسيين، عن طريق تقديم رشاوى مادية ورشاوى جنسية.
وعودة لوقائع تورط الدبلوماسيين الإيرانيين في الأنشطة التجسسية، ففي قضية خلية التجسس التي تم اكتشافها في المملكة العربية السعودية في العام 2016، بيّنت التحقيقات أن عناصر الخلية كانت تتواصل مع أكثر من عشرين موظفًا إيرانيًا «غالبيتهم في مواقع دبلوماسية». وفي البحرين في العام 2011 تم طرد السكرتير الثاني بالسفارة الإيرانية ويدعى حجة الله رحماني باعتباره «شخصاً غير مرغوب فيه» لارتباطه بقضية تجسس آنذاك.
وأورد البيان المفصل الذي نشرته وزارة الخارجية بالمملكة العربية السعودية في وقت سابق عن دعم إيران للإرهاب في المنطقة والعالم، أنه «في العام 1996 تم تفجير أبراج سكنية في الخبر والذي قام به ما يسمى بحزب الله الحجاز التابع للنظام الإيراني، وتم توفير الحماية لمرتكبيه من قبل إيران بما فيهم المواطن السعودي أحمد المغسل الذي تم القبض عليه في العام 2015 وهو يحمل جواز سفر إيرانياً، وقد أشرف على العملية الإرهابية الملحق العسكري الإيراني لدى البحرين آنذاك، كما تم تدريب مرتكبي الجريمة في كل من لبنان وإيران، وتهريب المتفجرات من لبنان إلى المملكة عبر حزب الله، والأدلة على ذلك متوفرة لدى حكومة المملكة وحكومات عدد من الدول».
التفاف
كان الدبلوماسي الإيراني المنشق عادل الأسدي كشف عن أن «الكثير من الدبلوماسيين الإيرانيين هم أصلاً من عناصر الأمن»، وتحدّث عن طريقة التفافية لتسفير مواطنين من دول خليجية إلى إيران، قائلاً: «لا يدخلون إيران بجوازاتهم وإنما بورقة خاصة بحيث لا يظهر صاحبها أنه ذهب إلى إيران. وأوضح هذا الأسلوب بالقول: يذهب شخص مثلاً لبلد ثالث مثل بريطانيا ومن هناك تعطيه السفارة الإيرانية ورقة خاصة يذهب بموجبها إلى إيران وعندما يرجع لبلده لا يظهر أنه كان في إيران».
حلول سياسية ودبلوماسية للمواجهة.. المقاطعة والحصار والمحاكم الدولية
مسارات قانونية لملاحقة «أفاعي طهران»
ثمة مسارات قانونية مختلفة يمكن من خلالها ملاحقة «أفاعي طهران» المتورطين إما في عمليات التدخل في شؤون الدول التي يمثلون بلدانهم فيها سواء من خلال الضلوع في شبكات تجسس أو عبر عمليات الاستقطاب وتمويل الإرهاب، بحيث يمكن تجاوز إشكالية «الحصانة الدبلوماسية» التي يستتر بها أولئك ويستخدمهم نظام الملالي كأذرع له في المجتمعات التي يستهدفها المشروع الإيراني.
وفي منظور القانون الدولي يمكن اتّباع أكثر من نهجٍ للتعامل مع الدبلوماسيين الأجانب المتورطين في جرائم جنائية أو جرائم أخرى غير متصلة بعملهم كدبلوماسيين، تبدأ باعتبار الدبلوماسي «شخصاً غير مرغوب فيه» وإبلاغ بلاده بذلك، وحتى مسارات التحرك في المحاكم الدولية ضد ممثلي النظام المتورط في استخدام دبلوماسييه على ذلك النحو، مرورًا بالحلول «السياسية والدبلوماسية» الأخرى في إطار القانون الدولي، ومن بينها «مقاطعة» الدولة التي تقوم بذلك، من خلال اتفاق مجموعة من الدول على هذا الخيار وعدم التعامل معها، وقد يصل الأمر إلى «الحصار» بقرار من مجلس الأمن الدولي ما إن وجدت الأدلة والأسانيد العملية المؤكدة لتورط دبلوماسيي دولة بعينها في جرائم جنائية وخلافه.
يوضح أستاذ القانون الدولي السوري د. محمد شاكر، أنه من حيث المبدأ فيتمتع الدبلوماسي بشكل عام بحصانة عامة تشمل جميع الأعمال سواء هذه الأفعال اتصلت بالعمل الدبلوماسي أو لم تتعلق به، وتمتد الحصانة لكل رجال السلك الدبلوماسي الأجنبي على اختلاف درجاتهم، والحكمة من هذه الحصانة هي أن رجال السلك الدبلوماسي يمثلون دولاً ذات سيادة لا يمثلون أنفسهم، يمثلون الدولة التي أرسلتهم، بالتالي فإن كفالة حريتهم واستقلالهم يعتبر أمرًا سياديًا يتعلق بسيادة الدولة التي ينتمون إليها.
أفعال جنائية
وحالات التدخل التي تخرج عن عمل أو حدود عمل الدبلوماسي توصيفها في القانون الدولي «أفعال جنائية» مرتكبة على أرض دولة أخرى، ومن ثم أصبح من غير السائغ في القانون الدولي عدم إخضاع هذه الأفعال للولاية القضائية للدولة التي يتواجد فيها الدبلوماسي، لذلك تتحدد مهمة الدولة في هذا الخصوص في حالة انتهاك الدبلوماسي التشريعات الخاصة بالدولة التي يتواجد فيها، وندخل هنا فيما يسمى «الاستثناء على مبدأ إقليمية قانون العقوبات»، ولذلك يحق للدولة أن تقوم بأحد هذه الإجراءات، أولًا: اعتبار هذا الدبلوماسي شخصًا غير مرغوب فيه، وتوجه هذه الرسالة والمطالبة للدولة التي يمثلها بسحبه فورًا، وثانيًا: الاحتجاج لدى دولته على الأفعال التي ارتكبها وما يشكله ذلك من تهديد، وثالثًا: أن تقوم دولته نفسها بتحريك دعوى ضده.
ومسألة تحريك الدعوى ضد الدبلوماسي المتّهم غير واردة في المسألة الإيرانية، لاسيما أن الدور الذي تقوم به القنصليات والسفارات الإيرانية في الدولة المتواجدة فيها يأتي ضمن مشروع واضح وهو تصدير الثورة الإيرانية وتصدير فكرة ولاية الفقيه وهي مسألة منصوص عليها في الدستور الإيراني؛ لذلك تصبح مسألة المساءلة الجنائية من جانبها غير واردة. ويعتبر أستاذ القانون الدولي أنه يجب القفز فوق مسألة إبلاغ الدولة «دولة الدبلوماسي» أو قيامها هي ذاتها بتحريك دعوى ضده في الحالة الإيرانية أو اعتباره شخصًا غير مرغوب فيه أو مطالبتها بمحاكمته. والإجراء الأقرب هو محاسبته بأنه ارتكب جرمًا يتنافى ومهمته لأنه أصبح في هذه الحالة في إطار هذا الجرم شخصًا طبيعيًا تنطبق عليه قوانين الدولة التي يتواجد فيها.
تصدير الثورة
ويضيف شاكر: كل السفارات والقنصليات الإيرانية في العالم تقوم على مبدأ تصدير الثورة وتصدير مبدأ ولاية الفقيه، لاسيما في الدول العربية، من خلال ربط المكون الشيعي أو البعض من المكون الشيعي بنظرية التشيع وربطهم بإيران مثلما هو ماثل في العراق ولبنان واليمن وسوريا على سبيل المثال.. وأعتقد بأن الحل الأمثل مع إيران هو المقاطعة وعدم فتح بعثات دبلوماسية أو قنصلية؛ لأن المشروع الإيراني أصبح –خاصة في المنطقة العربية - مشروعًا تدميريًا، ولعل ما يجري الآن في بؤر الصراع في سوريا تقف وراءه إيران.
إلى ذلك، يقول أستاذ القانون الدولي بالقاهرة د. إبراهيم أحمد، إنه فيما يتعلق بالدبلوماسيين فإنهم يتمتعون بالحصانة القضائية التي تمنع محاكمتهم، وهذه الحصانة مقررة في القانون الدولي وفقًا للمعاهدات الدولية ذات الصلة (معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية) أو وفقًا للعرف الدولي، عندما تكون متعلقة بأعمال وظيفية، وما يمكن أن يتم القيام به ضد أي دبلوماسي متورط في قضية بعينها أن تقوم الدولة باعتباره «شخصاً غير مرغوب فيه» وإعادته لبلاده كما حدث في وقائع عديدة.
ومن الممكن كذلك توجيه لائحة اتهام له وإرسالها إلى دولته لتتولى محاكمته إذا كانت تلك الاتهامات أو الجرائم التي ارتكبها يحاسب عليها قضاء بلاده، بينما إن ثبت أن دولته هي التي قامت بتحريضه ودفعه لارتكاب مثل تلك الجرائم أيًا كانت، فمن الممكن –إذا توافرت الأدلة والأسانيد الواقعية لثبوت ذلك الأمر- أن يتم التحرك في مسارات القانون الدولي، من خلال اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة ممثلي الدولة، حال توافر شروط اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية في الواقعة وإن كانت الدولة عضوًا في اتفاقية روما.
خيار المقاطعة
ويعتقد بأنه إن كانت هنالك وقائع عديدة –كما الحال فيما يرتبط بأفاعي طهران - تثبت تورط دبلوماسيي دولة بعينها في جرائم محددة تعاني منها دول عديدة، فإنه يمكن أن يكون هنالك حراك دبلوماسي سياسي عام من قبل تلك الدول المتضررة، وأن تقوم من جانبها بالاتفاق على مقاطعة تلك الدولة وسحب السفراء منها واعتبار سفراء تلك الدولة أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وإعمال المقاطعة لهذه الدولة التي يرتكب سفراؤها جرائم جنائية، مثلما حدث مع قطر عندما قاطعتها الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في تحرك جماعي وافقت عليه كل دولة منهم على حدة، لما رأوا أن الدوحة تشكل خطرًا وتهديدًا عليهم من خلال القيام بعمليات عدائية ضدهم.
وتحدث الحمد عن خيار «الحصار» باعتباره حاضرًا في القانون الدولي، إذ يمكن حصار دولة ما لكن بقرار من مجلس الأمن وبناءً على توافر أدلة معينة تؤكد ارتكاب تلك الدولة أو ممثليها ما يهدد الأمن والسلم الدوليين وتلحق أضرارًا بالمجتمع الدولي، وفي هذه الحالة يصدر قرار الحصار كما حدث في قضية «لوكيربي» على سبيل المثال.
الأدوار التجسّسية لم تقتصر على المنطقة ودول الخليج
الأصابع الإيرانية العابثة امتدت إلـى أوروبا
لم تتوقّف تلك الأدوار التجسّسية المشبوهة للدبلوماسيين الإيرانيين عند منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج بصفة خاصة، لكنها امتدت إلى أوروبا أيضاً. ويورد هنا رئيس منظمة سابراك الأميركية سلمان الأنصاري في شهادته العديد من النماذج، مستهلاً ذلك بالتأكيد أن «السفارات الإيرانية في دول العالم بلا استثناء متورطة في أعمال إرهابية».
ومن الأمثلة التي يذكرها الأنصاري واقعة اعتقال السفير الإيراني السابق في الأرجنتين (هادي بور) على خلفية التفجيرات التي وقعت في بوينس آيروس عام 1994، وفي العام نفسه اتهمت فنزويلا دبلوماسيين إيرانيين بالضلوع والتورط في الأحداث التي شهدها مطار سيمون بوليفار الدولي، مشدداً على أن «النظام الإيراني نظام أحمق، ولا يتمتع بأية مسؤولية تجاه دول الخليج، ولا حتى تجاه أية دولة في العالم، بما فيها أميركا ودول الاتحاد الأوروبي».
وتتحدث المصادر، في هذا الإطار، عن «دور الدبلوماسيين الإيرانيين في أوروبا»، من خلال خطة ثلاثية المحاور، الأول: خطة مرتبطة باستهداف الشباب العربي في أوروبا من قبل الممثليات الدبلوماسية الإيرانية لاستقطابه «مذهبياً وسياسياً» وتجنيده، ولا سيما استقطاب الجاليات المغربية والتونسية والجزائرية، وبشكل خاص في بلجيكا التي تشهد وجود جالية إيرانية كبيرة.
وبالعودة إلى حديث عبد الناصر حلمي، فإنه يقول في شهادته إنه شخصياً قد عاش مدة في أميركا وكندا وإنجلترا، وتعرض لمحاولات استقطاب كثيرة من المدارس الشيعية هناك، وقال: «هذه الكيانات نشيطة جداً، وتعمل على استقطاب المغتربين في الخارج».
تسفير الشباب
ويتعلّق المحور الثاني بخطة لتسفير الشباب من المجتمعات الأوروبية إلى مناطق الصراع التي تتدخّل فيها إيران، خاصة سوريا والعراق، وتؤدي هناك القنصليات والملحقيات ومكاتب التمثيل الإيرانية في أوروبا دوراً بارزاً في ذلك الإطار.
أما المحور الثالث ففي عملية عكسية يتم تسهيل تسفير بعض الشباب الإيرانيين إلى المجتمعات الأوروبية، من خلال تسهيل هروبهم وتقديم طلبات لجوء باعتبارهم «مضطهدين سياسياً» في بلدهم، ثم يدخلون الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية من خلال تسهيلات إيرانية، ويعملون في تلك المجتمعات جنوداً لإيران يمكنهم تنفيذ سياساتها وعمليات التجسس واختراق بعض المراكز المهمة في المعارضة الإيرانية بالخارج، وإن لم يستطيعوا ذلك فيكفيهم الحصول على تعليم مجاني رفيع المستوى.
ومسألة زرع الخلايا التجسسية في صفوف المعارضة الإيرانية في دول أوروبا، التي تحدّث عنها أحد المصادر، يؤكّدها المعارض الإيراني موسى أفشار. ويقول: «إن جهازاً أمنياً في هولندا وكذلك في ألمانيا في الأعوام الأخيرة وبخاصة عام 2016 أصدرا تقارير تشير إلى تجسس النظام الإيراني من قبل سفاراته في هذه البلدان، وكذلك تجنيد بعض الإيرانيين من الذين يدّعون أنهم مفصولون عن المقاومة الإيرانية، وتجنيدهم من أجل العمل ضد نشاط المقاومة الإيرانية والمعارضة في الخارج لمصلحة سفارة النظام، ولقد ذكرنا في بياناتنا أسماء ضباط النظام في سفارات النظام، وحتى الأشخاص الذين تمت إدانتهم في المحاكم ،وهؤلاء الإيرانيون المجندون من قبل النظام الإيراني الذين حكم عليهم بالسجن سنوات بسبب نشاطهم التجسسي».
تقرير ألماني
وبإطلاع «البيان» على نسخة من التقرير الصادر العام الجاري عن وكالة المخابرات الداخلية في ألمانيا (بي.إف.في) بعنوان «الحماية الدستورية 2016»، الذي نشره موقع وزارة الداخلية الاتحادية كاملاً عبر الإنترنت، كشف التقرير تحت عنوان «دوائر الاستخبارات في إيران» عن النشاط الذي يؤديه دبلوماسيون إيرانيون في ألمانيا، ودور فيلق القدس وسفارة إيران في برلين في أنشطة تجسسية تستهدف في المقام الأول المعارضة الإيرانية. ويتحدث التقرير عن «استمرار سلوك النظام الإيراني نشاطاته التجسسية الاستخباراتية للتصدي للمعارضة».
وطالبت المقاومة الإيرانية، عقب صدور التقرير، بضرورة التصدي لجواسيس نظام الملالي في أوروبا، سواء من فيلق القدس والحرس الثوري، أو من العاملين في السفارة الإيرانية، أو أولئك الذين ينشطون في منظمات مختلفة وشركات عمل كواجهة لهم.
انعطافات مذهبية هدفها كسب المال
يقول أحد المصادر التي اعتمدنا عليها في عملية البحث والتدقيق حول دور دبلوماسيي إيران المشبوه، إن هنالك العديد من الشخصيات الذين انجرفوا وراء محاولات الاستقطاب الإيرانية، ومنها شخصيات تابعة للتيار الليبرالي نجحت إيران في استمالتهم في مصر على سبيل المثال، وهنالك العديد من الشخصيات التي «ادّعت التشيّع» من أجل الاستفادة من «الأموال الإيرانية».
ويشير المصدر –الذي رصد بعض الأسماء خلال حديثه رافضًا ذكر اسمها صراحة- إلى أن هنالك شخصيات عملت على مجاراة محاولات الاستقطاب التي تقوم بها إيران من أجل حصد الأموال التي تنفقها طهران بسخاء عليهم، بعض من تلك الشخصيات لم تكن مؤثرة في مرحلة من المراحل لكن بعد تمويلها ودعمها صار لها حضور على الساحة عقب الثورة في مصر (ثورة يناير) وحالة السيولة التي شهدتها مصر آنذاك.
ويوضح المصدر أن هنالك شخصيات ادّعت التشيع، ومنها شخصيات غير متدينة أصلًا وقامت باستغلال فكرة التشيع وبعضهم كان في «نقابة السادة الأشراف» استغلوا هذه النقطة واعتبروا أنفسهم «شيعة» من أجل الحصول على أموال إيران التي «لا تهتم بالفكر الشيعي إلا بما يساعد في تحقيق الأهداف السياسية البحتة».
تمويل حزب
ويشير المصدر إلى أن طهران موّلت عملية إنشاء حزب شيعي بنحو عشرة ملايين دولار من أجل تأسيس كيان قوي، ويوضح المصدر أنه لا يملك تفاصيل دقيقة حول هذه المسألة لكن المعلومات التي لديه تؤكد أن شخصية شهيرة حصلت على أموال كثيرة جدًا لتأسيس حزب كبير لكن قيادات الحزب اختلفوا بعد ذلك، وكان الاختلاف على "الأموال" وليس على "المبدأ" على اعتبار أن كل مجموعة كانت تشارك في تأسيس الحزب بعد ثورة يناير كانت تشارك بأغراض خاصة محددة.
وتدرك "أفاعي إيران" جيدًا أن هنالك عمليات المجاراة للاستفادة مما تقدمه لأنصارها من أموال، وترضى بوجود مثل تلك الأمور على اعتبار أنها تضمن بذلك مدافعين عنها حتى وإن لم يتبعوا نفس النهج والمذهب، فهي في الوقت ذاته سعت في إطار استقطاب الشباب بصفة خاصة بعد حالة السيولة التي شهدها المشهد السياسي في مصر عقب ثورة يناير 2011 استغلالاً للظروف الاقتصادية الصعبة للشباب والتي يمكن التأثير عليهم من خلالها واستقطابهم بصورة سهلة، وأمّنت لنفسها أبواقًا سياسية وإعلامية لا تتبنى فكرها لكنها تدافع عنها وعن مواقفها نظرًا لحصولهم على تمويل منها.
كما نجحوا -وفق المصدر- في استمالة بعض مشايخ الطرق الصوفية وقام البعض منهم بزيارة إيران بالفعل، وقدموا دعوات لآخرين ولم يذهبوا، وكانت الدعوات شاملة كل المصاريف بما فيها السفر والإقامة وغير ذلك.
العملاء والجواسيس أداة لـ «تصدير الثورة»
تنطلق إيران في مشروعها السياسي بالمنطقة من ثلاثة عوامل رئيسية، أولها العامل التاريخي وتمثّله الرغبة في استعادة امبراطوريتها السابقة، وثانيها العامل القومي الذي يستند للعنصرية الفارسية والعداء لكل ما هو عربي، وثالثاً: العامل الديني الذي لا يخفى على أحد، والذي يسعى من خلاله نظام الملالي إلى نشر التشيّع في مختلف أنحاء الدول المستهدفة.
وتستخدم إيران في هذا كل ما لديها من إمكانيات، وتوظّف أموالًا ضخمة لخدمة هذا المشروع ثلاثي الأهداف والأبعاد، تلك الأموال التي يتم اقتصاصها من الشعب الإيراني المغلوب على أمره، والذي يعاني من ارتفاع كبير في نسب الفقر والبطالة والظروف الاقتصادية الصعبة، بينما نظام الملالي ينفق بسخاء على عملائه وأذرعه المختلفة حول العالم في إطار استراتيجية طويلة المدى ينفذها النظام الإيراني بأسلوب «الأفاعي الزاحفة» للسيطرة على تلك البلدان، كما يؤكد موسى أفشار في تصريحاته السابق الإشارة إليها.
تصدير الثورة
وبحسب خُطة الخميني في تصدير ما يسمى الثورة الإيرانية، والتي وردت في الوثيقة المسربة التي تم تداولها على اعتبارها نهج طهران في التغلغل في الشرق الأوسط ولاسيما المجتمعات السنيّة، فإنها تنطلق من اعتبار أن السيطرة على كل من «العراق وتركيا وأفغانستان وبعض دول الخليج العربي» تعني السيطرة على نصف العالم، ومن بين محاور تنفيذ الخطة عمليات نقل رؤوس أموال ضخمة إلى تلك البلدان للسيطرة عليها في مقابل استرضاء قادة الدول المستهدفة وإظهار الولاء لهم للوصول إلى المراكز العليا في تلك البلدان.
تضمن المنهج الحركي للخطة المتداولة والتي أوردها كذلك كتاب «ردع إيران» الصادر في العام 2013 العمل على «تهيئة الأرضية بعد ذلك للسيطرة على القرار (في تلك الدول) دون تدخل مباشر، بعدها ستكون تلك الدول مهيأة للثورة، وذلك بخلق بلبلة مفتعلة ومحاولة الظهور بدور المصلح حتى يتمكن حلفاؤنا هناك من التمركز في هرم صناعة القرار السياسي».
مهاجرون عملاء
وجاء من بين أساليب تنفيذ الخطة أنه «في حال وجود علاقات ثقافية وسياسية واقتصادية بيننا وبينهم فسوف يهاجر بلا ريب عدد من الإيرانيين إلى هذه الدول، ويمكننا (أي الإيرانيين) من خلالهم إرسال عدد من العملاء كمهاجرين ظاهرًا ويكونون في الحقيقة من العاملين في النظام الإيراني وسوف تحدد وظائفهم حين الخدمة والإرسال». وتتابع الخطة: «ويجب على هؤلاء الأفراد في هاتين المرحلتين أن يسعوا للحصول على جنسية البلاد التي يقيمون فيها باستغلال الأصدقاء وتقديم الهدايا الثمينة.. عملاؤنا ومهاجرونا سيعتبرون وحدهم حماة السلطة والحكم.. وإذا عمل هؤلاء العملاء بيقظة فسيمكنهم أن يتبوأوا كبرى الوظائف المدنية والعسكرية ويضيقوا المسافة بينهم وبين المؤسسات الحاكمة والحكام».
