تداعيات واسعة خلفتها مقاطعة الرباعي العربي المكون من (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) لدولة قطر، انسحبت آثارها الوخيمة على المشهد السياسي والاقتصادي في الدوحة التي – رُغم تأثرها الواضح والواسع بتلك المقاطعة على الأصعدة كافة- إلا أنها لازالت تتبع استراتيجية «العناد» وإدارة الظهر للمطالب المقدمة من الرباعي العربي وتعتمد اعتمادًا كليًا على حلفائها لاسيما إيران وتركيا، وعلى سياسات وحيل الهجوم المعاكس والهروب للأمام، بينما يواصل اقتصادها نزيف الخسائر، وتنكشف حقيقتها أكثر وأكثر أمام العالم الذي بات يدرك بما لا يدع مجالًا للشك حقيقة الدعم القطري للإرهاب في ضوء قوة الأسانيد والدلائل التي تقدمها الدول الداعية لمكافحة الإرهاب.

مئتا يوم مرت منذ بدء المقاطعة خسرت فيها قطر الكثير والكثير سواء سياسيًا على صعيد موقفها الإقليمي والدولي عقب انكشاف سياساتها العدائية وثبوتها بشكل واضح والتأكد من تنصل الدوحة لتعهداتها السابقة أمام مجلس التعاون الخليجي، أو على مستوى الأضرار الداخلية البالغة التي انعكست مباشرة على اقتصادها، وكذا على الأجواء الداخلية في قطر في ظل «غضب مكتوم» من قبل الكثيرين ورفض لسياسات تنظيم الحمدين الذي يتحكم في كل كبيرة وصغيرة في دوحة الإرهاب، يواجه ذلك الغضب بسياسات قمعية تُكمم الأفواه، في ظل سلاح إسقاط الجنسية الذي اتبعته الدوحة ضد معارضي الحمدين.

مراهنات خاسرة

ورغم ما يبدو أن الدوحة تراهن على استهلاك الوقت، فإنه –وفق مراقبين- كل يوم يمر هو بمثابة تكبيد قطر المزيد من الخسائر.

وأفاد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور طارق فهمي، بأن قطر هي الخاسرة جراء مرور الوقت واستمرار الموقف على ما هو عليه دون التوصل لحل، وليس أمامها للخروج من ذلك الموقف ومما تتكبده من خسائر سوى الاستجابة للمطالب، خاصة أن هناك أزمة حقيقية فعلية تواجهها قطر على الصعيد الاقتصادي بصفة خاصة تجسدت في مختلف القطاعات من تهاوي العملة لأدنى مستوياتها وهروب الاستثمارات وغير ذلك من التداعيات التي أفرزتها المقاطعة، والكرة في ملعب قطر إن أرادت الخروج من تلك الأزمة فعليها أن تكف عن دعم وتمويل الإرهاب بأي شكل من الأشكال سواء ماديًا أو لوجستيًا.

كانت المئتا يوم الماضية كافية بصورة كبيرة للكشف عن الكثير من العلاقات القطرية المشبوهة والصفقات التي أبرمتها الدوحة مع جماعات إرهابية مختلفة، وكذا كانت كافية للكشف عن أوجه الدعم القطري للإرهاب وإيواء المتطرفين، فضلًا عن الكشف عن تناقضات قطر وعن العديد من وقائع الفساد المتهمة فيها قطر بصورة مباشرة من خلال سلاح الرشاوى والإغراءات المالية التي تقدمها الدوحة، وليس أدل على ذلك من ملف تنظيم كأس العالم 2020 وقضية بنك باركليز الشهيرة، وجميعها أمور كانت معززة وكفيلة بإلحاق المزيد من الخسائر لقطر على المستويين السياسي والاقتصادي بصفة خاصة. ذلك في خطٍ متوازٍ مع ما أفرزته المقاطعة من تداعيات سلبية على الاقتصاد القطري دفعت ضريبتها القطاعات كافة، لاسيما قطاع الطيران، والسلع الرئيسية مع اضطرار الدوحة لاستيراد المواد الأساسية بأسعار مرتفعة.

ووضعت مؤسسات دولية الاقتصاد القطري على قائمة المخاطرة، كما أن الاقتصاد القطري مرشح للمزيد من الخسائر مع تواصل الأزمة، وحسبما أكد مؤسس تيار التنوير في مصر المستشار يحيى قطري، فإن الدوحة تعتقد بأنه بمقدورها من خلال الاعتماد على إيران وتركيا تجاوز أزمتها والتغلب على الخسائر التي منيت بها سياسيًا واقتصاديًا، غير أن ذلك يزيد خسائرها بصورة كبيرة، فقطر تتصرف تصرفات صبيانية من خلال «تنظيم الحمدين» الذي يدير البلد، مؤكدًا على أن الأزمة الحالية أكدت على أن عمق الأزمة السياسية داخل قطر، وأن النظام القطري قد صار إلى زوال كنتيجة مباشرة لتلك السياسات العدائية التي يتبعها، وبما يؤكد ويوضح التداعيات السياسية للأزمة على قطر.

وذكر تقرير حديث صادر عن مجموعة بحثية بريطانية وهي مجموعة «آي سي آي إس» أن قطر قد تكبدت خسائر كبيرة جدًا جراء المقاطعة، وكانت نقطة الضعف القطرية في ذلك الإطار –بحسب التقرير- هي مسألة الواردات، على اعتبار أن الدوحة تعتمد اعتمادًا كليًا على جيرانها لاستيراد السلع والخدمات، وعقب المقاطعة تضطر إلى استيرادها بتكلفة مرتفعة في ظل إغلاق المجالات أمامها.

كما بيّن التقرير ما شهده نمو الاقتصاد القطري من تباطؤ واضح خلال الربع الثاني من العام حتى أنه قد سجل أدنى معدلاته منذ الأزمة المالية العالمية، وعزا ذلك لتراجع أداء قطاع النفط. وقد كانت نسبة تصل إلى 40% من المنتجات الغذائية التي تحتاجها قطر تدخل إليها عبر السعودية، ومع غلق الحدود تكبدت قطر تكلفة استيراد هائلة بأسعار مرتفعة.

وبدوره، رصد أستاذ التمويل والاستثمار بالقاهرة الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة أبرز ملامح تأثر الدوحة بالمقاطعة على الصعيد الاقتصادي، مشددًا على أن هنالك العديد من المؤشرات الاقتصادية التي تكشف عن حجم تأثر اقتصاد قطر بالمقاطعة، بداية من تأثر سوق المال القطرية وما شهدته من تراجعات هائلة وحتى مؤشرات الاستثمار الأجنبي وخلافه، بما يعطي انعكاسًا على أن قطر –وفي ضوء نهجها السياسي السلبي وتأثيراته على الوضع الاقتصادي- في مرحلة اقتصادية حرجة للغاية، ليس منها مخرج سوى أن تعيد ترتيب علاقاتها مع جيرانها من خلال الاستجابة للمطالب المقدمة من الرباعي العربي.

هروب الاستثمارات

وشدد الخبير الاقتصادي على أن ما شهده الاقتصاد القطري جراء المقاطعة كان دافعًا لعمليات تخارج عديدة للاستثمارات الأجنبية من قطر، الأمر الذي أفقد كذلك السوق القطرية الثقة، وهنالك العديد من التداعيات السلبية المتنامية حال ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فالأزمة في قطر هي أزمة سياسية في المقام الأول مرتبطة بتأثير السياسات الخارجية التي تتبعها الدوحة من خلال دعمها وتمويلها للإرهاب، وعليه يشهد الاقتصاد تلك الظروف الخانقة التي لا حل لها سوى علاج الأزمة السياسية من خلال التوقف عن تلك السياسات. وأشار في السياق ذاته إلى التقييمات السلبية للاقتصاد القطري التي تصدرها مؤسسات دولية.

وبينما تعتمد الدوحة اعتمادًا كليًا على كل من إيران وتركيا بعد أن أدارت ظهرها لمحيطها العربي، فإن كلًا من أنقرة وطهران تعملان على ابتزاز الدوحة وتستفيدان من الأزمة بصورة مباشرة، من خلال ما تتحصلان عليه سواء نظير تصدير المنتجات إلى قطر أو من خلال توفير الحماية.