ارتبط اسم النظام القطري بالفساد والرشاوى والعمولات والصفقات المشبوهة، وبصرف أموال الشعب في تمويل الإرهاب والتطرف والميلشيات التخريبية، وفي شراء ذمم أطراف دولية وإقليمية سواء كانت من الساسة أو الإعلاميين أو «الحقوقيين» أو المؤسسات التي يحاول النظام النفاذ إليها عبر الشيكات وحقائب النقد والمجوهرات والهدايا الثمينة.

ويرى مراقبون أن الحديث عن فساد النظام القطري ليس جديداً، وإنما ارتبط بتنظيم الحمدين منذ وصوله إلى الحكم عبر انقلاب تلفزيوني في العام 1995، حيث برزت منذ ذلك الوقت لعبة شراء المواقف مقابل التخطيط الجهنمي للإضرار بدول الجوار، ثم بالدول العربية، إلا أن التنظيم عمل على عكس فساده على مرايا الآخرين، واتهامهم بما ثبت عليه من تلاعب بالمال العام وسرقة ثروة الشعب وتبذيرها على مشاريعه الوهمية، ثم تحريض الشعوب في عدد من الدول العربية على الثورة والانقلاب على أنظمتها بدعوى مكافحة الدكتاتورية والفساد، ما جعل مؤلفي كتاب «فرنسا تحت التأثير.. عندما تتخذ قطر من بلدنا ملعباً» يؤكدان أن: "قطر هي أول من يستحق هذه الثورات والانقلاب لما لديها من فساد مستشر ورفاهية مطلقة تنعم بها الطبقة الحاكمة دون الشعب".

وتشير مصادر غربية إلى أن ثلاثة أرباع مداخيل الغاز القطري تذهب إلى جيوب قادة النظام، وأن استثمارات تصل إلى 300 مليار دولار موزعة على أوروبا مسجلة بأسماء الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني، وابنه الأمير الحالي تميم بن حمد، وبقية أفراد الأسرة المضيفة، بينما تصل ثروة رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وحده إلى ملياري دولار، وفق المعارضة القطرية.

فساد مستشر

وبينما يدعي نظام الدوحة اعتماد المقاييس الدولية في الشفافية والحوكمة الرشيدة، يتبين أنه عكس ذلك تماماً، وأن الفساد يحتل المكانة الأبرز في سلم أولويات تنفيذ أي مشروع كبير، ومن ذلك مطار الدوحة الذي وضع حجر أساسه عام 2005 وقدرت كلفته الإجمالية بـ 5 مليارات دولار لكن مهلة التنفيذ توسعت وامتدت حتى عام 2012 بعدما كانت 2008 وبلغت الكلفة 16 مليار دولار.

أما شركة الخطوط الجوية القطرية التي تقول إنها مملوكة بنسبة 50% للحكومة و50% أسهم خاصة، وتتبعها مجموعة من الشركات، هي أبعد أن تكون عن الشفافية، حيث لا أحد يعلم من هم المستثمرون الذي يملكون نصف أسهمها.

ويطرح قطريون أسئلة حول تأخر تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى رغم صرف موازناتها، ومن ذلك مشروع تطوير حديقة الحيوان التي تعمل منذ عام 1984 والتي تم إغلاقها، بعد أن خصص لها مبلغ 200 مليون ريال.

وتشير مصادر غربية إلى أن ثلاثة أرباع مداخيل الغاز القطري تذهب إلى جيوب قادة النظام، وأن استثمارات تصل إلى 300 مليار دولار موزعة على أوروبا مسجّلة بأسماء الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني وابنه الأمير الحالي تميم بن حمد وبقية أفراد الأسرة المضيقة، بينما تصل ثروة رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وحده إلى ملياري دولار، وفق المعارضة القطرية.

أسرار الخزينة

وفي كتابهما «قطر.. أسرار الخزينة» الصادر في باريس عن دار ميشيل لافون، خصص الكاتبان الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان شينو، في حديثهما عن دولة قطر، فصلاً كاملاً للحديث عن حمد بن جاسم الذي وصفه أحد الأجانب الذين تعاملوا معه عن قرب لمدة ثلاثين سنة، بأنه كان القوة الضاربة، والذراع المسلّحة للأمير السابق، لا ينام سوى أربع أو خمس ساعات ليلاً، وكان من آخر عمولاته وهو في السلطة 400 مليون دولار في صفقة شراء هارودز من الفايد، و200 مليون دولار لجسر لم يرَ النور بين قطر والبحرين.

وبحسب المؤلفين فإن حمد بن جاسم «انتبه مبكراً لقوة ونفوذ المال على الناس، وهو يرى أن كل شيء، وكل شخص، يمكن شراؤه، بشرط أن تضع له الثمن المناسب».

وكان لابد أن تكون لحمد بن جاسم صلة من قريب أو من بعيد بكل الشراكات والصفقات المالية والتجارية التي عقدتها قطر في العقدين الماضيين، حتى إنه حظي برئاسة شركة الخطوط الجوية القطرية، وبنك قطر الدولي، وبمنصب نائب رئيس هيئة الاستثمارات القطرية، ومؤسسة قطر القابضة، ذراعها المسؤولة عن شراء العقارات في الخارج. وهو يملك أيضاً فندقي الفور سيزون وويست باي في الدوحة، وفندقي راديسون وتشرشل في لندن.

من لندن لإسلام آباد

عام 2008 وُجهّت تهمة إدانة لبنك باركليز، في عملية لزيادة طارئة في رأس المال من قطر عام 2008، وعقد رئيس البنك روجر جنكينز صفقتين مع حمد بن جاسم بوصفه رئيس وزراء قطر آنذاك، وضخ 6.1 مليارات استرليني في باركليز لإنقاذه من الأزمة. وخضع البنك لتحقيقين يتمحوران حول صفقة رسملة أبرمها عام 2008 مع مستثمرين قطريين، سمحت للبنك بتفادي الملكية الحكومية أثناء الأزمة المالية. وتأتي التهم التي وجهها مكتب الاحتيالات الخطيرة بعد خمس سنوات من التحقيق، إذ تتصل القضية بسعي البنك إلى زيادة رأس ماله في ذروة الأزمة المالية في 2008، وكانت التهم ترتبط كذلك بتسهيلات الاقتراض التي قدمها البنك لقطر بقيمة 3 مليارات دولار عبر وزارة الاقتصاد والمال فيها في نوفمبر 2008.

ووجه مكتب تحقيقات الفساد في بريطانيا، اتهاماً رسمياً للبنك وعدد من كبار مسؤوليه بالتآمر والفساد والتزوير في صفقة رفع رأسمال البنك عام 2008 مع قطر بمقدار 4.5 مليارات جنيه استرليني.

وفي برلين، أعلن أخيراً، عن التحقيق الذي تجريه هيئة الرقابة المالية الألمانية بخصوص شبهات فساد تحوم حول حصة أطراف من النظام القطري الحاكم في بنك دويتشه الألماني، وقد بدأت هيئة الرقابة المالية الاتحادية «بافين»، البحث حول ما إذا كانت شركة «إتش إن ايه» الصينية والأسرة القطرية الحاكمة كانا يعملان معاً بشأن استثماراتهما في دويتشه بنك، حيث تجري الهيئة تحقيقات فيما إذا كان أكبر مستثمرين في البنك الألماني «يعملان بشكل مشترك»، وهو الأمر الذي يخالف القوانين ذات الصلة بسوق المال داخل ألمانيا.

وكانت الأسرة الحاكمة في قطر بدأت تكوين حصتها عام 2014 خلال زيادة لرأس المال. وحصلت كل من قطر وإتش.إن.ايه على مقعد في مجلس إدارة البنك. وكان مصدر في البنك المركزي الأوروبي كشف في يوليو أن البنك الذي ينظم العمل المصرفي في دول الاتحاد الأوروبي يدرس مراجعة بعض أصحاب الحصص في البنك الألماني (دويتشه بنك).

ثروة في باريس

وحول الفساد القطري في فرنسا، صدر كتاب «أمراؤنا الأعزاء» الذي تضمن معلومات وتفاصيل رصدها الصحافيان بجريدة «لوفيغارو»، جورج مابرينو وكريستيان شينو، حيث يكشف الكتاب علاقة الفساد التي نشبت بين نظام الدوحة وبعض السياسيين الفرنسيين الذين يتلقون هدايا وامتيازات مقابل الدفاع عن قطر، ويخصص فصولاً متعددة لنقل معطيات ومعلومات عدة ومهمة عن أسرار العلاقات الفرنسية القطرية ودعم الدوحة للإرهاب، وعمن سماهم بـ «أيتام قطر»، في إشارة إلى مسؤولين فرنسيين كبار، اعتادوا الحصول على أموال وهدايا من السفارة القطرية.

ويشير الكتاب إلى أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وضع في طليعة اهتماماته التقرب من قطر وأميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني، حتى إن العلاقة بين الرجلين تطورت بشكل سريع، وتحوّلت بعد ذلك إلى سنوات عسل، ما سمح لفرنسا باستقطاب الأموال القطرية. لكن بعد وصول فرانسوا هولاند للحكم في 2012، تغيّرت استراتيجية فرنسا تجاه قطر كلياً، حيث أدار هولاند ظهره لهذه الدولة الصغيرة، وأصبح يعمل على توطيد علاقة بلاده بالمملكة العربية السعودية، باعتبارها البلد الأقوى والأغنى في منطقة الخليج.

واهتم كتاب «فرنسا تحت التأثير.. عندما تتخذ قطر من بلدنا ملعباً» للصحافيين فانيسا راتينيه وبيير بييون، بملفات الفساد القطري، مشيراً إلى أن نظام الدوحة سعى إلى شراء ذمم مسؤولين فرنسيين بالأموال وحفلات المجون.

ويركز الكتاب على الشق الخاص بتسخير الأموال والاستثمارات القطرية لتحقيق الأطماع الجيوسياسية للإمارة الصغيرة وفق الكتاب الذي يقول: «أصبحت القيادات السياسية والاقتصادية والمالية الفرنسية تظهر الكثير من التودد للدوحة، كما أن ثروة قطر أصبحت بمثابة مغناطيس لا تمانع باريس في الانجذاب نحوه غير مبالية بالقيم التي تحملها جمهوريتنا».