العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تحليل إخباري

    القدس بين حسابات الحقل والبيدر

    يروق للكثيرين شخصنة المواقف والسياسات، جهلاً أو هروباً من رؤية أكثر عمقاً للتطورات المفصلية في المسارات التي تفضي عادة إلى تداعيات. هذا ينطبق على القرار الأميركي الأخير بشأن القدس. فالقرار الذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقدّمه على شكل كلمة جرى التقديم لها والتهيئة قبل خروجها للشاشات ببضعة أيام، لم يكن-بنظر كثير من المراقبين- قراراً ترامبياً بالأساس، بل قرار أميركي، بمعنى أن السياسات الأميركية لا يصنعها أشخاص بل مؤسسات.

    الجديد في ما فعله ترامب الأسبوع الماضي، أنه أوقف مسلسل تأجيل التوقيع على قرار متّخذ، والذي اتبعه سابقوه من الرؤساء الأميركيين. ولا يستطيع التكهّن بما كان يمكن أن تكون عليه الأمور لو كان الرئيس الجالس في البيت الأبيض شخصاً آخر وأحاطت به نفس الظروف والمعطيات والحسابات.

    كثيرون توقّفوا عند مسالة التوقيت، حيث ربطه البعض بما عرفت بـ «صفقة القرن»، فيما رأى الإعلامي خطار أبو دياب أن ترامب يعتقد أنه سيدخل التاريخ من بابه الواسع لأنه قام بتوقيع قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتباهى بذلك في تغريدة على «تويتر» أنه وفى بوعده بينما لم يفعل ذلك سواه من رؤساء أميركا.

    لكن، حتى في أميركا، هناك من يرى أن هذا القرار قد يجر تداعيات سلبية على ترامب نفسه، مثل القيادي في الحزب الديمقراطي الأميركي ماك شرقيوي الذي قال إن القرار سيعرض المصالح الأميركية للكثير من المخاطر، وقد يضع العسكريين والمدنيين في العالم في دائرة الاستهداف.

    في الممارسة السياسية الأميركية، ثمّة مواقف تشق طريقها كمحصّلة صراع بين الكونغرس والبيت الأبيض والخارجية، والمطبخ الخلفي واللوبي اليهودي «إيباك»، مع الأخذ في الاعتبار ما يرتبط بالعلاقات مع المنظومة العربية، والموقع الذي فرضت أميركا نفسها فيه كـ «راع» وحيد يحتكر إدارة ما تسمى عملية السلام.

    كثير من المراقبين يرصد خطاً سياسياً أميركياً يقترب من الموقف الإسرائيلي لدرجة الالتصاق، وهذا له علاقة بعوامل عدة أهمها ضعف الأوضاع الفلسطينية والعربية، ولا يتعلق الأمر بترف تجريبي، ولا بهوى يجتاح قلب أميركا تجاه سواد عيون إسرائيل.

    تداعيات

    ماذا يترتّب على القرار الأخير من تداعيات على موضوع القدس؟ المدينة محتلة بمقدّساتها وبشطريها الشرقي والغربي ومحيطها، ولا يضيف قرار سياسي شيئاً بعد الاحتلال الميداني لأرض ما. ولعل فيما كتبه الإعلامي الإسرائيلي رون-بن ييشاي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» تشخيصاً لسقف متوقّع لردود الفعل، حيث كتب في تعبير مكثّف أن السعادة الإسرائيلية والغضب الفلسطيني إزاء قرار ترامب كانت محدودة، لأن القرار ليس له أهمية عملية على الأرض، ومن ثم فإنه لا شيء يستحق السعادة له إسرائيلياً، أو الموت من أجله فلسطينياً وعربياً.

    أما إسرائيلياً فمن المتوقّع أن تستغل إسرائيل القرار الأميركي في تصعيد الاستيطان في القدس والضفة، بالتوازي مع تكثيف المستوطنين اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، في محاولة لتحقيق الاستفادة القصوى من هذا الظرف وصولاً ربما، للتقسيم المكاني للمسجد على غرار الحرم الإبراهيمي، وليس مستبعداً أن يجري حث الخطى للتخلص من المسجد الأقصى من خلال سيناريو ما يجري الإعداد له منذ سنوات.

    هكذا هي حسابات الحقل الإسرائيلي، أما عن مطابقتها لحسابات البيدر الفلسطيني العربي الإسلامي فهذا ما ستنبئ به المرحلة المقبلة، وهي مرحلة بالغة الحساسية والسخونة والحسم.

     

    طباعة Email