العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    علي الممرض يسرد روايات الجوع والحصار في الغوطة الشرقية

    الغوطة الشرقية (ريف دمشق) معروفة لدى السوريين بأنها منبع الخيرات تبعد بضع مئات من الأمتار عن قلب العاصمة دمشق حيث الرخاء والبذخ.. هناك في هذا الريف الذي طالما وصف بأنه السلة الغذائية لدمشق، بطون خاوية وطفولة جائعة وانعدام أبسط مقومات الحياة.

    أواخر 2013 اشتد الحصار من قبل النظام على محيط الغوطة واستخدمت لقمة عيش الأهالي كورقة ضغط على أبنائه للاستسلام والخضوع.

    ضيقت كافة سبل العيش ليعاني أهالي الغوطة الأمرين الحصار والجوع من جهة والقصف والقتل والدمار من جهة أخرى.

    معاناة كبيرة

    تحدث (علي) الممرض في أحد المستشفيات الميدانية في الغوطة الشرقية لـ«البيان» عن الفترة التي قضاها هناك، إذ قال بدأت المؤونة بالنفاذ من البيوت بعدما نفذت من المستودعات والمحال، الخضار والفواكه أصبحت حلماً بعد أن أصبحت الأراضي الزراعية جرداء، والماشية من أبقار وأغنام وعجول ذبحت بالأيام الأولى من الحصار، ومع مرور الأيام اشتدت وطأة الحصار أكثر فأكثر وتزعزعت الحالة الأمنية في حين كان يلجأ البعض للدخول إلى المنازل الخاوية من أهلها خلسة ليبحث عن أرز عدس أو أي شيء ليسد به رمق أطفاله.

    تلك الفترة نسي أغلب الأهالي طعم خبز الدقيق الصافي لأن تأمين الطحين كان بمثابة معجزة مما اضطر الأهالي لخلطه بأنواع مختلفة من البذور المطحونة كالأرز والعدس والفاصولياء والذرة وعندما نفذت تلك البذور لم يجد أهالي الغوطة الشرقية أمامهم سوى أعلاف الحيوانات فقاموا بطحنها وخبزها كي تبقيهم على قيد الحياة .

    ويحمدون الله على ذلك لم يكن خبز العلف كخبزنا الأبيض الشهي بل كان اسمر اللون وذو طعم مر ومأكل قاسي مرت الأيام والأسابيع لينفد أيضاً علف الحيوانات من الغوطة وليلجأ أهلها لتناول أوراق الملفوف الخضراء بدلاً من الخبز لعلها تذكرهم بمذاق الخبز. لعل اغلب من يقرا هذه الكلمات لم ولن يتخيل حجم تلك المعاناة التي عاشها ولا يزال إلى اليوم يعيشها أهالي الغوطة الشرقية.

    كارثة أعظم

    ولكن الكارثة لم تكن هنا وحسب لأننا كبالغين اعتدنا القلة والجوع والحرمان. الكارثة الأكبر كانت عند أولئك الأطفال الذين علمتهم الحياة الجوع قبل الشبع علمتهم الحصار قبل الحرية والحرمان قبل الاكتفاء.

    ويتابع علي: «أطفال الغوطة بدؤوا يعانون من أعراض سوء التغذية عندما فقد طعامهم العناصر المغذية والمفيدة وتحول لأوراق الشجر وعندما لم تعد أفواههم الصغيرة تتذوق طعم الحليب حتى من أمهاتهم المرضعات اللاتي لم يجدن ما يأكلنه حتى يستطعن إدرار الحليب وإرضاع أطفالهن الجوعى».

    وفي يوم من الأيام قام أحد الصحافيين الأجانب، بالدخول «تهريباً» إلى المنطقة حاملاً معه القليل من الحلوى والبسكويت والشوكولا ليقدمها للأطفال عند تجمهم حوله لكن الدهشة كانت واضحة على وجوه الجميع عندما قام بتقديمها إليهم ولم يستطع الأطفال التعرف عليها والاستغراب من غلافها الخارجي والسؤال عما تحتويه.

    وككل الحروب كان هناك من يتاجر بلقمة العيش ويتحكم بقوت الأهالي حيث قام تجار الدم في المنطقة بالتعامل مع عناصر حواجز النظام المحيطة بالغوطة ودفع الأتاوات لإدخال المواد الغذائية التي كانت تباع للأهالي بأسعار خيالية حيث وصل كيلو الأرز الواحد إلى ما يقارب 8 آلاف ليرة وعلبة حليب الأطفال إلى 20 ألفاً (39 دولاراً) وبتلك الأسعار الخيالية لم يتغير من حال الأهالي شيء إلا من رحم ربي.

    وصمة عار

    لم يستطع الأهالي تحمل ذلك الوضع فقاموا بالهجوم على مخازن التجار والاستيلاء على المواد الغذائية التي بداخلها وتعالت أصوات النداءات الإنسانية ومناشدة المنظمات الإنسانية وهيئات الأمم المتحدة التي قامت بإرسال قوافل إغاثية محملة بالمواد الغذائية والطبية، لكسر الحصار ليمنعها النظام من دخول الغوطة مراراً وتكراراً ويموت أطفال الغوطة جوعاً وقهراً وحصاراً إلى يومنا هذا لم يستطع أحد تخفيف تلك المعاناة.

    ومن أواخر 2013 وإلى اليوم لاتزال الغوطة ترزح تحت وطأة الحصار والجوع تاركة وصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.

    طباعة Email