يلاحظ المتابعون للشأن العراقي، أن الحرب ضد «داعش»، كانت واضحة المعالم، في مواجهة عدو معروف، إلا أن «الحرب ضد الفساد»، الذي يمثل وجهاً آخر للإرهاب، وعاملاً أساسياً في نموه وتغذيته، تبدو مختلطة الأوراق، حيث يحذر رئيس الوزراء حيدر العبادي، الفاسدين، من اللعب بالنار، ويؤكد عزمه على تكرار مشهد حدث في المملكة السعودية، بقوله «مثلما خيّرنا داعش من قبل، بين الاستسلام أو الموت، فإن أمام الفاسدين خيارين، الأول تسليم الأموال التي سرقوها، وربما يحصلون على عفو في هذه الحالة، والآخر خسارتهم الأموال وقضاء بقية حياتهم في السجون»، لكن حديث العبادي عن معركة ثانية ما بعد داعش لضرب جيوب الفساد المتجذرة في بنية الدولة العراقية، رافقتها حملة كلامية مناهضة للفساد والفاسدين، بات يرددها الجميع، وكأن جميع القوى تتنصل من الفشل الذي حصل، وتتبرأ من الفساد ضمناً.
وكشفت الحكومة العراقية عن انطلاق خطتها لمكافحة الفساد بنحو تدريجي، مؤكدة أن النتائج ستظهر قريباً، مشيرة إلى أن «الاستعانة بالخبرات الأجنبية جاءت لمتابعة الأموال المهربة والوصول إلى المتورطين بسرقتها وتهريبها».
وبحسب الناطق باسم الحكومة، سعد الحديثي، إن «مجلس الوزراء لديه منظومة متكاملة لمكافحة الفساد، وحصل تفعيل للمجلس الأعلى لمكافحة الفساد من أجل أن يأخذ دوره في رصد حالات هدر المال العام»، مؤكداً «الاستعانة بالخبرات الدولية للإفادة منها في عمليات التحقيق وتتبع الأموال المهربة والقبض على المتورطين بجرائمها».
وينوّه الناطق باسم مجلس الوزراء إلى أن «الحكومة بدأت بتطبيق الخطة تدريجياً، وأن النسق في تصاعد، وستظهر الأيام المقبلة النتائج على أرض الواقع من خلال استعادة الأموال المنهوبة وفضح المتورطين بسرقتها ومحاسبتهم على وفق القانون». وكان العراق وقع العام الماضي مذكرة تفاهم مع الأمم المتحدة لإشراك محققين دوليين في ملفات الفساد الكبرى ذات الأولوية، كتهريب الأموال العراقية إلى الخارج، والاختلاس الحاصل في مفاصل الدولة، حيث تم الانتهاء من إعداد ملفات كبيرة تدين شخصيات نافذة في العملية السياسية.
محققون دوليون
وباستعانة رئيس الوزراء العراقي بالمحققين الدوليين فهو يحاول الخروج من المنظومة العراقية التي تحارب الفساد منذ عدة سنوات لكنها لم تحقق شيئاً، حيث توجد في العراق 19 مؤسسة ولجنة وهيئة مختصة في محاربة الفساد لكنها غير فاعلة وتخضع للتجاذبات السياسية والمحاصصة الحزبية. كما لجأ حيدر العبادي إلى اختيار قضاة مستقلين بإشراف منه مباشرة للتحقيق في تلك الملفات بعيداً عن القضاء العراقي المتهم بمحاباة المسؤولين وعدم مساءلتهم بسبب الضغوط أو تحت تأثير المغريات المالية، وهو ما اعتبره مراقبون اعترافاً ضمنياً من العبادي بعدم استقلالية القضاء وغياب الحيادية في العمل.
ويقول جاسم محمد جعفر، النائب المقرب من العبادي، إن «هناك لجنة تضم عدداً من القضاة يشرف عليها بشكل مباشر رئيس الوزراء، لمتابعة قضايا الفساد وهدر المال العام، والتحقيق في ملفات الفساد»، مشيراً إلى أن «تشكيل تلك اللجنة من القضاة جاء للإسراع في حسم تلك القضايا وضمان إبعادهم عن الروتين والضغوطات السياسية أو الشخصية».
ارتباطات خارجية
و يذكر النائب عن التحالف الوطني رزاق الحيدري، أن «شبكة الفساد في العراق لديها ارتباطات خارجية ينبغي تتبعها لأجل القضاء عليها». ويضيف عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، أن «الكثير من الأموال هرّبت خارج العراق بعقود كانت صحيحة من الناحية القانونية، من خلال ثغرات معينة، وأن قسماً من تلك العقود لا يوجد دليل على إدانة المتورطين بها، لا سيما المتعلقة بالطاقة والنفط».
شبّه رئيس كتلة تحالف القوى العراقية البرلمانية، صلاح الجبوري، مبادرة محاربة الفساد وتحرير الموارد الوطنية بـ«الصفحة الثانية لعمليات تحرير المدن».