غداة ولادة التسوية لأزمة استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، والتي كانت أولى خطواتها استجابته لتمنّي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عليه التريّث في هذه الاستقالة، شهدت الساعات الماضية بدء البحث عن مخرج، تحدّث عنه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، متوقّعاً تبلوره «خلال أيام قليلة».
ولكن مفاجأة «التريّث» في الاستقالة، التي أطلقها الحريري من قصر بعبدا، يوم الأربعاء الماضي، لم تحجب سيل التساؤلات والشكوك حول مآل هذا المسار، وما إذا كان سيكفل نتائج فعلية ثابتة، من حيث الالتزامات الملحّة المتصلة بالنأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية والتدخلات في حروب وشؤون بلدان عربية.
كما أن عبارة «الاستقرار السياسي» التي ضجّ بها الداخل، خلال الأيام القليلة الماضية، شكّلت احتمال أن يكون البحث، على المستوى العربي والأوروبي، وصل إلى إعادة تعديل التسوية الرئاسية، تحت سقف التزام لبنان سياسة النأي بالنفس، في مقابل عودة الحريري عن استقالته.
3 عناوين للمشاورات
وفي هذه الصدد، أشارت المعلومات التي توافرت لـ«البيان» إلى أن رئيس الجمهورية ليس بصدد تنظيم طاولة حوار، إنّما سيُجري بعيداً من الأضواء مروحة اتّصالات ولقاءات تشاورية، وستكون ثنائية في المرحلة الأولى حول ثلاثة عناوين أساسية، هي: «اتّفاق الطائف» و«النأي بالنفس» (تعريفه وحدوده وإمكاناته) والعلاقات مع الدول العربية.
وذلك، وسط التعويل على التطوّرات الإقليمية والدولية لمواكبة الحوار اللبناني، بما يكفل بلورة حلّ، من شأنه تثبيت الحكومة، لأن تبديلها بدا ضرباً من المخاطرة في هذه الظروف.
وفي المعلومات أيضاً، فإنّ المشاورات التي واكبت عودة الحريري إلى بيروت أبرزت داخلياً اتجاهات شبه جماعية للتمسّك بالحريري والسعي إلى إقناعه بالعدول عن الاستقالة.
أما الحريري، فقد اتخذ موقفاً وسطياً مشروطاً يقوم على التريّث في الاستقالة وانتظار الالتزامات الصارمة الجديدة بسياسة النأي بالنفس أولاً (وخاصة من طرف حزب الله)، ترجمةً لما ورد في البيان الوزاري لحكومته.
خطوط عريضة
وفي القراءة الأولية للائحة الإيجابيات المحلية الناجمة عن الاستقالة والعودة عنها، رأت مصادر من «قوى 14 آذار» أن الحريري بدأ يرسم الخطوط العريضة لما يمكنه إنجازه في فترة التريث، وهو يعي جيداً أن الهوّة الكبيرة التي تركها عندما استقال، والتي اكتشف خصومه أن أحداً لا يمكنه تعبئتها، يجب أن يستغلها لتحقيق كل ما يضع الدولة على سكّة استعادة نفسها ووحدانية دورها، وهو تلقي جملة ضمانات من عون وبري بشأن سياسة النأي بالنفس.
أما في لائحة المواقف الدولية والعربية التي سجّلت في مصلحة الحريري العائد، فبدأت تتكشف شيئاً فشيئاً، وهي تبحث كلّها عن الوسائل غير العنفية الناجحة التي يتعيّن على الحريري سلوكها من أجل تحصين الداخل اللبناني وعزله عن براكين المحيط.
وعليه، أشارت مصادر سياسية متابعة إلى أنّ محور المشاورات، الذي أطلقته عودة الحريري إلى بيروت، وقراره بالتريّث بتقديم استقالته رسمياً، يدور حول ثلاث نقاط، وفقاً لما ردّده رئيس الحكومة أمام زواره، وعكس بيان الاجتماع المشترك لـ«المستقبل»، هي: أولاً، إعادة الاعتبار للنأي بالنفس عن الحروب والصراعات المحيطة، بشكل فعلي وعملي، ضمن تفاهم يوضع وضع التنفيذ.
ثانياً، الامتناع عن كلّ ما يُسيء إلى علاقات لبنان بأشقائه العرب. أما النقطة الثالثة، فتتمحور حول رفض تدخّل أيّ جهة لبنانية أو إقليمية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية. ووفق المصادر نفسها، فإنّ هذه النقاط ستشكّل محور المشاورات الثنائية أو الموسّعة التي سيطلقها عون بالتفاهم مع برّي والحريري، وأن جميع الأطراف معنيّة بالتوصّل إلى تفاهم والابتعاد عن سياسة المحاور.
وفي السياق، أشارت المصادر إلى أن لا خلاف على مبدأ «النأي بالنفس»، لكن هناك اختلافاً في تفسيره، فالبعض يريد النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية - العربية، والبعض الآخر يرى النأي بالنفس عن الصراعات العربية - العربية.