بينما ينتشر السوريون في كل بقاع الأرض إلى أن وصلوا إلى الدول الأوروبية، ثمة من يجترع السم في الداخل السوري، مع كل موسم جديد شتاءً كان أم صيفاً؛ قصة وداد شاهد حي على المأساة. تعيش وداد وعائلتها في أسوأ المخيمات التي لم تحصل حتى على اعتراف المخيمات في الداخل السوري، وتحديداً في منطقة شمرين، تلك القرية الصغيرة على الحدود السورية التركية في ريف حلب الشمالي.
لا تبتعد شمرين أكثر من 10 كيلومترات عن الجانب التركي، لكن شتان بين الواقع السوري المؤلم والمرعب وبين الأراضي التركية الآمنة والمستقرة التي تتوفر فيها كل مقومات الحياة.
قصة الصراع
بدأت قصة وداد وإخوتها النساء «المرملات» من الحرب، منذ أن سقطت حلب الشرقية في نهاية العام الماضي، فلم تجد إلا الريف الشمالي ليكون ملاذهم الوحيد من نيران الحرب، فلجأت وداد ذات الأطفال الأربعة مع أخواتها إلى أرض كانت زراعية، ثم عملن على تحويلها إلى مخيمات مع بعض العائلات النازحة.
حين وصلت هذه العائلات إلى شمرين، لم تكن تعرف ماذا ستفعل في اليوم التالي، ماذا ستأكل، أين ستنام، ماذا ستشرب، أين سيذهب الأطفال، وحدهن مع عائلات نازحات أخريات، وصلن إلى تلك القرية لتبدأ قصة الصراع مع حر الصيف وبرد الشتاء.
تقول وداد التي التقتها في وقت سابق «البيان» في مخيم شمرين الهزيل، لا نعرف من الحرب إلى التشرد والمخيمات، ففي الوقت الذي يتحدثون عن الخروج إلى تركيا ومن ثم السفر إلى أوروبا أتخيل أن هذا حلم بالنسبة لي، فأنا حياتي باتت خيمة ممزقة والتفكير ماذا سأطعم أولادي الليلة، وليس لي طاقة التفكير خارج هذا المربع.
أكثر ما يقلقني في مخيم شمرين كيف سيمضي اليوم بوجباته الثلاث الهزيلة، فأهالي المنطقة قدموا كل ما بوسعهم لنا ونحن في المخيمات، لكن لم يعد بإمكانهم الاستمرار.
حالة يأس
وتضيف وداد في حديثها لـ«البيان» اليوم نحن في حالة من اليأس، وهي حالة تتجدد مع مجيء كل فصل شتاء الذي يحمل معه الآلام والأوجاع، ففي كل موسم نعمل على حفر الخنادق مع أخواتي النساء وبقية المقيمين في المخيم الصغير، لتكون هذه الخنادق ملاذاً آمناً لنا من الأمطار والسيول.
وتشير إلى أنها حفرت أكثر من أربعة خنادق محيطة بالخيم من أجل تجنب الأمطار، التي طالما جرفت الخيم معها في كل موسم، خصوصاً في تلك الأراضي الزراعية الرغوة التي لا تقاوم الأمطار.. وتتابع: نحن لا نعرف من سوريا إلا الخيمة والمطر والتشرد.. الكل يتخلى عنا في هذه المحنة.. سوريون ومنظمات، نريد فقط أن نعيش بلا برد أو صيف حار.. هذا كل ما نحلم به.
وداد هي أكبر أخواتها النساء في هذا المخيم، وهي المسؤولة عنهن، تحاول التواصل مع الجميع ومع القرى المجاورة من أجل أن تؤمن لأخواتها وأبنائهن قوتهم اليومي، فمرة تنجح وفي معظم الأحيان تفشل، ذلك أن الجميع في تلك المنطقة تحت خط الموت.
تختتم وداد التي خرجت من حلب الشرقية، القول: لم تعد تعنينا إذا انتهت الحرب أم لا، فحتى لو انتهت من سيبني لنا منازلنا المدمرة، ومن سيعيدنا إلى منازلنا.. في سوريا باتت الحياة الطبيعية شبه مستحيلة.
أحد الأطفال تقدم لنا وقال: هل ستقدمون لنا خيمة.. لا نريد إلا الخيمة.. فهي حلمنا الوحيد في هذا الشتاء.
