تأبى حبال المصير المشترك للسودانين أن يفترقا، وهي تمسك بأواصر القربى رغم الانشطار، وموجات الاتهامات المتبادلة، وها هما البلدان يعودان إلى طاولة الحوار بعد طول تشاكس، فما زيارة الرئيس الجنوب سوداني سلفاكير ميارديت إلى الخرطوم خلال الأيام الماضية إلا محاولة لإذابة جليد الخلاف وتنفخ الروح في ما وقع بينهما من اتفاقيات تمثل أمل الوصل لشعبي البلدين بعد أن فصلت بينهما مجريات السياسة وتقلبات المعادلات الإقليمية والدولية وأمزجة السياسيين، فالاتهامات بدعم المعارضين هنا وهناك وانعدام الثقة ظلت هي السمة البارزة للعلاقة في ما بين الدولتين، طيلة عمر دولة الجنوب التي خرجت من رحم السودان الأم في منتصف العام 2011، وحتي اتفاقيات التعاون التسع التي وقعها البلدان في العام 2012، حالت الحرب التي اندلعت في الدولة الجديدة دون تنفيذها، وظلت حبراً على ورق تتقاذفها الاتهامات وتلعب بمصيرها مواقف القادة في البلدين.

علاقات مترنحة

فالزيارة التي قام بها رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت رغم أهمية توقيتها والأجندة التي بحثتها إلا أن وبحسب مراقبين فإنها تمثل الخطوة الأولى في المسيرة المتعثرة للعلاقات بين الجارين اللدودين، باعتبار أن النهوض بالعلاقات بين البلدين ترتكز في المقام الأول علي تحقيق السلام هنا وهناك، وستظل العلاقة تترنح في مواجهة عواصف المواقف ما لم تتبعها خطوات أخرى أكثر جدية من كلا الطرفين من خلال العمل على إنهاء حالة الحرب المشتعلة في الدولتين، ويرى المراقبون أن الخرطوم في إمكانها حلحلة عقد الصراع في جنوب السودان لما تملكه من خيوط وتجربة مع جميع أطراف الصراع هناك، وكذلك فإن جوبا ولما يربطها من علاقات مع أطراف الأزمة السودانية باستطاعتها تقريب وجهات النظر السودانية لا سيما مع الحركة الشعبية قطاع الشمال التي كانت جزءاً من الحركة الشعبية التي يتزعمها سلفاكير في الجنوب.

اتهامات صريحة

كان الرئيس سلفاكير أكثر صراحة وهو يتحدث في الخرطوم عن دعم المتمردين السودانيين حينما أكد أن بلاده لا تدعم أي تمرد في دول جوارها كما أنه نفى بشدة وجود المتمردين السودانيين علي أراضيه، ومضى أكثر عندما أقر بأن بلاده تعيش أوضاعاً اقتصادية متدهورة لا تسمح لها بإيواء معارضات خارجية ودعمها وأن الموظفين والجيش في جنوب السودان لم يصرفوا رواتبهم لستة أشهر وأن أفراد جيشه يسيرون مشياً على الأقدام لعدم استطاعته توفير مركبات تقلهم، وأضاف «وكيف لبلد تعيش مثل هذه الأوضاع أن تدعم متمردي دولة أخرى»، غير أن سلفاكير وجه أصابع اتهامه للخرطوم في عقر دارها وداخل القصر الرئاسي وبجوار الرئيس السوداني عمر البشير عندما قال «عندما نتحدث عن الاتهامات فإنني أتهم الخرطوم فهي مصدر الأسلحة للمتمردين في جنوب السودان والآن يوجد عدد كبير منهم هنا في الخرطوم».

وعود وتعهدات

غادر الرئيس سلفاكير الخرطوم التي حط رحاله بها ليومين بعد غياب امتد لثلاث سنوات، قدم كير إلى عاصمة بلاده السابقة وهو مثقل بالملفات العصية والجراحات النازفة باحثاً عن «شفرة» الحل الضائعة منذ اندلاع الحرب في بلاده في أواخر العام 2013، ولم تخيب الخرطوم التي استقبلته بالأعناق ظنونه إذ تعهد له الرئيس السوداني عمر البشير بحظر أي أنشطة عسكرية أو سياسية للمعارضة الجنوب سودانية في السودان، كما وعدته بدعمه والتعاون معه من أجل إيجاد مخارج للازمة السياسية والأمنية والاقتصادية الطاحنة التي تزلزل عرشه في جوبا، وتعصف بدولته الوليدة.