مع انحسار الوجود الميداني لتنظيم داعش، الذي بات على شفا الانهيار، أصبحت إشكالية العائدين من مسارح العمليات، تشكل هاجساً أمنياً كبيراً للعديد من دول العالم خاصة التي ذهب رعاياها للقتال إلى جانب «داعش» وباقي التنظيمات الأخرى فهم باتوا يمثلون خطراً أكبر سيما وأنهم اكتسبوا خبرة، وإن كان بعضهم قد تضرر من بطش التنظيم ويحمل في قلبه نية التوبة والندم على انضمامه للتنظيم إلا أن البعض الآخر يحمل مخططات للقيام بأعمال إرهابية، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية في العالم إلى التعبئة والتفكير في كيفية التعامل مع المقاتلين العائدين من بؤر التوتر، فمن الخطأ الظن أن أزمة مواجهة تنظيم داعش تختص بالعراق وسوريا فقط، فالنصر في هذين البلدين لا يعني الفوز بالحرب ضد الإرهاب، فنهاية الإرهاب تعني نهاية كل الجماعات المتطرفة، ومع القضاء على تنظيم ستولد جماعات جديدة باستمرار، والمعركة ستستمر.

فالعالم اليوم ليس أمام تنظيمات إرهابية بصورتها القديمة النمطية، بل أمام كيانات وجيوش من العناصر المتطرفة، التي دعمتها دول، ومولتها بأسلحة متطورة وعناصر مدربة، وهو ما يفرض وضع استراتيجية جديدة تواكب هذا التطور، وتكن بمثابة الحرب الحقيقية على الإرهاب.

لن تمر أسابيع إلا ويكون تنظيم داعش المرتكز في سوريا والعراق قد تقلّص وتم قصّ أجنحته، وبترها من خلال العمليات المسلحة التي تخوضها قوى دولية وإقليمية عديدة ضده، ما يعني كتابة شهادة وفاته، ما يجعل تابعيه يفرون إلى مناطق أكثر أمناً ربما يكون بلدهم الأصلي أو بلدان أخرى. وتأتي مخاوف الدول الأوروبية من عودة «الدواعش» إلى بلادهم من أجل الانتقام من تلك الدول التي ساندت حرب التنظيم في العراق وسوريا الأمر الذي يرجح قيامهم بعمليات إرهابية داخل أوطانهم. التخوف الأوروبي مفهوم من عودة الإرهابيين في ظل تكرار العمليات الإرهابية في كبرى العواصم الأوروبية. ويبقى التساؤل حول التدابير التي وضعتها الدول لمواجهة المقاتلين العائدين أكبر تحدياتها في الشهور المقبلة، فهل تكون على قدر التحمل، أم سينتج عن اختفاء «داعش» ميادين قتال جديدة تستقطب المسلحين.

تدفق غير مسبوق

بدأ الأوروبيون الذين كانوا انضموا بالآلاف إلى صفوف المتشددين في سوريا والعراق، بالعودة إلى أوروبا بعد اكتساب خبرة قتالية والمزيد من التطرف في العقيدة، فيما تجد دول الاتحاد الأوروبي صعوبة في تحديد سبل مواجهة موحدة لهذه الظاهرة. وتشير تقديرات رسمية إلى أن خمسة إلى ستة آلاف من المتطرفين الأوروبيين أو المقيمين بأوروبا توجهوا إلى العراق وسوريا عبر تركيا في معظم الأحيان، هذه التقديرات تظل غير دقيقة لأن بينهم من ذهب إلى تلك البؤر وعاد دون أن يلفت الانتباه.

المعلوم للمتابعين، أنه كلما زاد الضغط على تنظيم داعش في مناطق النزاع السوري والعراقي، كلما أصدرت قيادة التنظيم أوامرها للعناصر النائمة في العواصم العربية والأوروبية وفي المدن والبلدات الحدودية التي تكون عادة بعيدة عن أعين أجهزة الأمن أو خارج سيطرتهم بالضرب تحت الحزام، وعلى ذلك فإن المخطط الذي تتسرب بعض فصوله تفيد بأن «الدواعش» يتجهون إلى اختراق عدد من بلدان أوروبا وشمال أفريقيا لإحداث الفوضى فيها.

الربيع العربي

ظاهرة ما يعرف بالمقاتلين الأجانب ظاهرة تفشت في زمن «الربيع العربي» ووجدت البيئة الخصبة والمناسبة للتطور والنمو في تربة الفوضى والدعم الكبير من قبل الغرب الذي يتخوف اليوم من عودة أولئك المقاتلين.. فكثير منهم ذهب للتمرس في القتال، تتزايد المخاوف من عودة المقاتلين، إذ إن بعضهم لا يزالون يتبعون للتنظيم، ومن الممكن أن تكون عودتهم جاءت بناء على أوامر القيادة لتنفيذ عمليات في دول أخرى أو فتح جبهات قتال جديدة في مناطق مختلفة أو تشكيل خلايا نائمة، كما يمكن أن يتم توظيفهم كحلقة وصل بين تنظيمات إرهابية خارجية وجماعات محلية موالية لها.

يكشف تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، المعلومات الواردة من شهادات مقاتلي داعش بعد عودتهم إلى بلدانهم، تظهر حقيقة استهداف التنظيم تجنيد «المقاتلين الأجانب» بل واستثمار وجودهم داخله.

انتشار التشدد

أكدت هجمات بروكسل وقبلها اعتداءات باريس في نوفمبر 2015 انتشار التشدد وسط بعض أبناء الجاليات الإسلامية في أوروبا، ورغم الأصول غير الأوروبية لعائلات منفذي هجمات بروكسل، إلا أن المشتبه فيهم الثلاثة ولدوا وترعرعوا في القارة الأوروبية، وتعلموا في المدارس البلجيكية.

وتتحدث أرقام المفوضية الأوروبية عن 10000 مسلح أوروبي سافروا إلى العراق وسوريا منذ ظهور «داعش» في هذين البلدين، وإن نصفهم ينوي العودة إلى بلادهم وتكمن الخطورة في مؤهلاتهم الجديدة، وقدراتهم القتالية التي اكتسبوها جراء تدريب مكثف الذي نالوه.

إنتاج متطرفين جدد

وأشار العديد من الخبراء إلى أن الخطر الأكبر الكامن وراء عودة المسلحين المتشددين إلى أوطانهم الأصلية، يكمن في «منحهم البيئة نفسها التي أدت بهم إلى التطرف، ما سيساعـد على إنتـاج متطرفين جدد، يتأثرون بهم».

واقع سيرفع بالتالي من أعداد الخلايا الإرهابية النائمة وسينمي نجاعتها، لأنها ستتضمن «خبراء»، وهذا ما يؤكد أن اقتصار الأمر على الجهد العسكري والاستخباري قد لا يأتي بالنتائج العملية المرجوة للقضاء على التطرف والتهديدات الإرهابية بنسبة 100 في المئة، وأن هناك حاجة حقيقية للحوار والتفكير في إقناع الآخرين برفض التطرف والعقائد الفاسدة واستبدالها بالقيم الحقيقية للتسامح والسلم ونبذ العنف، إضافة إلى دمج الفئات المرشحة للانحراف عقائدياً بالمجتمعات التي يعيشون فيها، وعدم نبذهم أو تهميشهم، وهذا يحتاج إلى تأسيس بنية اجتماعية وثقافية جديدة تعالج الأخطاء التي أدت إلى ظهور هكذا تطرف في المجتمعات.

ثلث

أفاد المركز الدولي للتصدي للإرهاب بأن ثلث المقاتلين الأوروبيين المنتمين لتنظيم داعش غادروا سوريا، وأشار إلى أن غالبية المقاتلين السابقين يقطنون حالياً في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

وأكد أنه على الأرجح، سيلجأ بعض العائدين إلى استخدام العنف ضد مدنيين أو في مناطق حرب قريبة، سواء لأسباب أيديولوجية (إذ يسعون لقتل أو طرد أولئك الذين لا يتبنون رؤيتهم داخل الأراضي الخاضعة لسيطرتهم)، أو لأسباب تكتيكية.