عد كثير من المراقبين خطاب الاستقالة الذي دفع به رئيس الحكومة اللبنانية بمثابة الانتفاضة في وجه التدخلات الايرانية في الشأن اللبناني وذيلها في المنطقة حزب الله، وتشير تداعيات الاحداث في الداخل اللبناني ان استقالة الحريري كان لابد منها في ظل، التعقيدات التي تحاصر لبنان والمنطقة، وفيما نشط الحراك اللبناني الرسمي باتجاه الخارج، أطلّ الحريري على اللبنانيين معلناً استقالته من رئاسة الحكومة، شارحاً تدخلات إيران في الشؤون اللبنانية، وعن أن أجواء في لبنان شبيهة بالمرحلة التي سبقت اغتيال والده رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005، مشدّداً على أن أيدي إيران في المنطقة ستُقطع، وأنّ لإيران رغبة جامحة بتدمير العالم العربي، فيما الشرّ الذي ترسله إلى المنطقة سيرتدّ عليها.

وفي وقت كثرت الأقاويل وسرت التكهّنات حول أبعاد الاستقالة، أشارت مصادر تيار «المستقبل» لـ«البيان»، إلى أنّ الحريري كان استبق إعلان استقالته بانتقاد الأصوات الهادفة إلى ضرب علاقات لبنان بالعرب، وبتحذيره من أنّ الإنجاز الرئيسي الذي حقّقه لبنان والمتمثّل بالأمن والاستقرار والأمان لجميع اللبنانيين، يتعرّض لمحاولة قرصْنة.

تصد للأطماع

ووضعت المصادر نفسها هذه الاستقالة في خانة عدم وعي البعض لواقع عدم مصلحة لبنان على الإطلاق من الوقوف في وجه الإجماع العربي والإسلامي والدولي الداعي للتصدّي للأطماع الإيرانية في المنطقة، أو مسايرة حلفاء طهران، وعلى رأسهم حزب الله، لما لذلك من تداعيات بالغة السلبية على الوضع اللبناني سياسياً واقتصادياً، ما خلق إرباكات لا يستهان بها للعهد الجديد، أعادت أجواء الانقسامات على المشهد اللبناني، عدا عن كونها ساهمت في عودة التوتّر إلى العلاقات اللبنانية - العربية، التي كانت استعادت بعضاً من عافيتها بعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية. ومن وحي هذه القراءة، اعتبر وزير العمل محمد كبارة أنّ استقالة الحريري قرار جريء استعاد زمام مبادرة لبنان العربي.

اختبارات قاسية

من جهتها، ذكّرت أوساط وزارية معنية بخشيتها، التي سبقت إعلان الاستقالة، من استمرار عملية التخفّي الرسمية والحكومية الجارية حيال المواقف والتطورات الأخيرة المتعلّقة بلبنان، وبحضّها على ضرورة اتباع دبلوماسية مختلفة تجنّباً لمحاذير سيئة، ذلك أن المناخ المحموم وضع لبنان أمام اختبارات قاسية، أدّت في المحصلة إلى انهيار التسوية السياسية في البلاد رغم تجديد أطرافها الرئيسية التأكيد على المضيّ في حمايتها.

انعكاسات

بدورها، رأت مصادر سياسية مطلعة، أنّ الأجواء الأميركية الجديدة حملت بالتأكيد انعكاسات على الداخل اللبناني، مشيرة إلى أنّ سياسة النأي بالنفس التي يتبعها لبنان تجاه الحرب السورية لم تجد نفعاً مع الولايات المتحدة الأميركية في هجومها على إيران، ما حتّم ضرورة الاختيار بين الطرفين، فيما زحمة الاستحقاقات التي كانت تواجهها البلاد بدت بمثابة عامل ضاغط إضافي لمعاينة مسار العهد وواقع سياساته حيال الصراعات الإقليمية والتحالفات، التي تلعب دوراً مؤثراً في إعادة تسخين لبنان كساحة تنفس لتشابكات التحالفات.

وفي موازاة اشتداد السجال الأميركي- الإيراني في الخارج، وتصاعد اللهجة الأميركية ضد حزب الله، لفتت المصادر السياسية نفسها إلى تكشّف التناقضات اللبنانية أكثر وأكثر سياسياً وحكومياً، ما أدّى إلى استقالة الحريري، وطرح أسئلة كثيرة أبرزها السؤال الجوهري: هل بدأت التسوية التي أدّت إلى وصول العماد ميشال عون في الانهيار؟

ويقول مراقبون ان الاستقالة مثلت قراراً جريئاً هدفه قطع الطريق أمام وضع لبنان في مواجهة اشقائه العرب، او جعله خنجراً في خاصرتهم من خلال فرض حزب الله لسياسة الامر الواقع بتدخلاته غير المرضي عنها لبنانياً ناهيك عن عربياً في سوريا والعراق.