يعلّمنا التاريخ وتجاربه الكثيرة أن الحرب لا تنتهي بإطلاق الرصاصة الأخيرة. والحرب السورية، كأي حرب، ستستمر تداعياتها لسنوات وربما لعقود، حتى لو انتهت بالحسم العسكري. أشياء كثيرة تحتاج إلى ترميم بدءاً بالبشر وليس انتهاء بالحجر.

من الواضح أن الحرب دخلت الساعات الأخيرة، لكنها بالنسبة لأحد جرحاها، عبادة العاسمي، لم تنته بعد. بالنسبة له، الحرب ستعيش فيه حتى الرمق الأخير. عبادة، وهو من قرية داعل بمحافظة درعا، وقد التقيناه في مركز «سوريات عبر الحدود» في العاصمة الأردنية عمّان، تعرّض في 2012 لرصاصة قناص في منطقة درعا، اخترقت الرئتين وأصابت العمود الفقري.

بعدها أخذت حياته التي اختطفها من بين أنياب الرصاصة، منحى آخر.

يقول عبادة في وصفه لظروف إصابته «بعد الإصابة مررت بنوبات من فقدان الوعي والصحو. سحبوني للمشافي الميدانية، لكنها كانت تفتقد للكوادر الطبية والأطباء المختصين. كنت بحاجة لطبيب أعصاب ولم يكن موجوداً في تلك المشافي. وتم تحويلي لمشفى جميلة في ريف درعا، حاول الطبيب وقف النزيف، لكنه وجد إصابات في إحدى الرئتين. أقصى ما استطاعوا عمله هو تركيب أنبوب لوقف النزيف».

صعوبة الإصابة وفقر المشافي في بلد تمزّقه الحرب، كانا سبباً كافياً لنقل عبادة في اليوم التالي إلى الأردن. حيث اكتشف الأطباء في مستشفى الملك عبدالله بالرمثا أضراراً في دفتي الرئة.

وبعد خمسة عشر يوماً من نزع الرصاصة، أبلغه الأطباء بأن النخاع الشوكي أصيب. ومنذ تلك اللحظة أدرك عبادة أن حالة الشلل الكامل في طرفيه السفليين تعني أن صفحة جديدة قد فتحت في حياته وعليه مواجهة متطلّباتها. وبعد شهر أمضاه في مستشفى الملك عبدالله، خرج عبادة من المستشفى على كرسي متحرك.

مرحلة التأهيل

يقول عبادة «عدت عند أهلي في درعا ومكثت ستة أشهر وعدت إلى الأردن، لأن منطقة درعا تفتقد لمراكز العلاج الطبيعي». التحق عبادة بمركز تأهيل في ضاحية الرشيد في عمّان كان يُجري تأهيلاً للاجئين السوريين، لكن بعد فترة حصلت مشكلة وتم إغلاق المركز، فأقام في شقة مع 11 شخصاً كلّهم يعانون من نفس الحالة.

كانت الشقّة نموذجاً عن المركز لكن على نحو مصغّر. بعد استقرار حالته الصحّية، تعرف عبادة بالصدفة على ناشط سوري خبير في مجال الإعاقة. بدأ يدربه وستة أشخاص آخرين من خلال برنامج مساواة الإعاقة وبرنامج دعم النظراء، وهو يعني معالجة الأشخاص الذين يعانون من نفس الحالة.

عن ثمار هذين البرنامجين يقول عبادة «كنا ننظّم أنشطة رياضية كل يوم أحد وأصبحنا فريقاً من 64 شخصاً من المتطوعين ضمن منطقة عمّان، ثم شبكنا مع مركز ياباني متخصص في مجال التمكين والتأهيل وتصميم برامج هدفها مساعدة المعاقين وتأهيلهم ودعمهم نفسياً ومجتمعياً. ولأننا ندرك أن فاقد الشيء لا يعطيه حرصنا على تلقي تدريبات على التعامل مع حالات الإعاقة، لكي نستطيع مساعدة غيرنا».

حالة مستقرة

حالياً الحالة الصحّية لعبادة العاسمي مستقرة وهو لا يعاني من مضاعفات ولا من أي آلام، لكنه يتحرّك على كرسي متحرك. وهو بعدما أنهى برامج التأهيل، يعمل في مسؤولاً عن برنامج إعادة تأهيل.

سوريا بعد انتهاء الحرب ستنهض على قدميها بصعوبة، لكن عبادة وكثيرين مثله، لن يكون باستطاعتهم النهوض مرة أخرى على أقدامهم، لكنّهم سيواجهون تحدي السير في طريقهم على ساقي الإرادة والإقدام، مثلما سيضطر من فقد عينيه لرؤية مستقبل بلاده بقلبه.