لا يقف مسلسل الإجرام والإرهاب القطري عند حد. فحلقاته المتواصلة لا تنفك تشتد لتطال، ليس فقط دول العالم، بل أيضاً، وبشكل خطير، أبناء المجتمع القطري، وخاصة من المبدعين، وهو ما بدا جلياً، أخيراً، مع سحب جنسية الشاعر محمد بن فطيس المري والتشكيك في وطنيته، ووضع الشاعر محمد بن راشد العجمي المعروف باسم ابن الذيب ضمن قوائم الممنوعين من السفر.
إذ تسجل قطر بذا سقطة إنسانية جديدة/ وتضيف إلى رصيدها الإجرامي وصمة عارٍ لا تُنسى، وتعكس همجيتها وجُبنها وزيفها، لا سيما وأن محاولات تكبيل الكلمة وتكميم أفواه الحق، إلى جانب عقوبة التجريد من الجنسية، مسائل تعد انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان وجريمة بشعة في حق الإنسانية، ولابد لتنظيم الحمدين أن يدفع ثمنها ويذوق بفعلها مرارة الظلم الذي بدأه.
سلاح الشعر
يقول الشاعر علي الخوار لـ«البيان»: تقوم السلطات القطرية بسحب جنسيات الشعراء وزجهم في السجون لأنهم يحملون سلاحاً لا تستطيع - هي أو غيرها - تجريدهم منه، ألا وهو سلاح الشعر، هذا السلاح الذي يزلزل عروش الطغاة، ويتسلل من بين قضبان السجون ليصل إلى قلوب الناس وعقولهم، فيفضح الزيف ويكشف اللثام عن وجه الحقائق المموهة.
ويتابع الخوار: "السلطات في قطر تعلم تماماً أنه لا سبيل لها إلى لجم أفواه وقرائح الشعراء التي تقول الحق إلا بأشد العقوبات، لذلك جاءت عقوبة سحب الجنسية من الشاعر لتكون بمثابة سحب روحه من جسده، كما أنها محاولة يائسة وبائسة للمساس بمصداقيته ووطنيته، لأن حكام قطر يدركون أن عقوبة السجن وما يندرج تحت هذا المسمى من عقوبات، لا تكفي لإسكات صوت الحق مهما تم تشديدها والمبالغة فيها".
مواقف مشبوهة
ويضيف علي الخوار: "ليس بإمكاني التكهن بتبعات مثل هذا التصرف الشائن أو حتى تصورها، لكني أعلم أن قطر تعلم أنها مخطئة، ولو كانت على صواب لوقف الشعراء بجانبها ولكانوا صوتها ولسانها في الحق، فللشعر تأثير السحر على الناس الذين يعرفون ذلك جيداً بدورهم، وأتمنى من شعراء الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، احتواء الشعراء القطريين الذين يصدحون بكلمة الحق، وتقديم الدعم المعنوي والإعلامي لهم لإيصال صوتهم بشكل أوسع وأوضح. وفي المقابل، علينا مقاطعة كل شاعر يناصر قطر في خيانتها، أو يروج لضلالاتها ويبرر مواقفها المشبوهة تجاه أوطاننا وشعوبنا العربية".
ثمن الحرية
يؤكد الشاعر علي السبعان، إنه على مر العصور دفع الشعراء الحقيقيون أثماناً باهظة لحرياتهم ومواقفهم، ما يعني أن الشاعر الحق مهيأ دوماً ليدفع ثمن حريته وموقفه، "وإلا فمن الذي كتب أناشيد الثورات ضد الطغاة والمستعمرين، ومن كتب قصائد المعتقلات وكيف وصل إلينا (أدب السجون)؟!"
ويستطرد السبعان: "ثمن حرية الشاعر يبقى معقولاً ما لم يبلغ هذا الثمن حد التشكيك في وطنيته، وسلبه حق مواطنته، لذلك فإن ما قامت به حكومة قطر من سحب جنسية أحد شعرائها بسبب تعبيره عن رأيه، هو جريمة إنسانية ترفضها الشرائع السماوية والفطرة السوية. كما أنه جريمة دولية تنتهك القانون الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على أنه (لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً، أو إنكار حقه في تغييرها)".
رصيد إرهابي
ويوضح السبعان أن ما فعلته قطر هو إرهاب جديد، يضاف إلى رصيدها الإرهابي، قصدَت منه تكميم أفواه الشعراء، حينما أزعجها صوت الحق المتصاعد من حناجر أبنائها، وأقض مضجعها صوت «منبه» الحقيقة.
ويقول: "ها هي قطر بعد أن انكشف زيف آلتها الإعلامية المتشدقة بحرية التعبير ونصرة المظلومين، تخلع قناعها لتسفر عن وجهها الوقح الداعي إلى تكبيل الكلمة وقتل الإبداع وإرهاب المبدعين بعقوبة لا تسوغها إلا الخيانة العظمى للوطن والمساس بأمنه القومي، وهي لا تعلم أن هذا العقاب، رغم قسوته وبشاعته، هو أهون على الشاعر الحر من إجباره على الترويج لموقف ضد مبادئه وقناعاته، أو الولاء لقيادة لا يثق في مصداقيتها".
حق المواطنة
ويوصف السبعان قوة موقف الشعر المنتصر للحقيقة والعدل في وجه الإجرام القطري: "ما لم تفهمه حكومة قطر، أن الشاعر حين يقف مع الحق، فذلك لا يعني أنه ضد وطنه، وهنا أستشهدُ بموقف الشاعر الألماني الشهير غونتر غراس الحاصل على جائزة نوبل للأدب، والذي نشر قصيدته (ما يجب أن يقال) العام 2012 منتقداً سياسة بلده ألمانيا، ومع ذلك لم تجرؤ السلطات الألمانية على المساس بحقوق مواطنته ولم تسحب جنسيته، وعاش آخر أيامه ينعم بالهدوء وراحة الضمير قرب مدينة لوبيك في شمال ألمانيا - وطنه-.
وذلك بعد أن كان قد اتهم حكومة بلاده بالتفرد في ارتكاب الجرائم ووصفها بأنها مرتهنة للعار!، وما لم تفهمه حكومة قطر أيضاً، أن خلط الأوراق لم يعد كافياً للحد من خساراتها، وأن ابتكار الإرهاب لم يعد مجدياً لإسدال ستار الصمت على جرائمها التي تزيدها اليوم واحدة، لتغطي جريمتها الأساسية في حق أشقائها وجيرانها".
فشل ذريع
ويقول الشاعر ذياب المزروعي: "بعد أن طعنت حكومة قطر جيرانها وغدرت بهم في أخبث وأجبن صور الخيانات والغدر، تقوم الآن بتجريد أبنائها من الجنسية وتزج بالمواطنين والشعراء في السجون، وفي رأيي أن هذا الإجراء المتجرد من الإنسانية ناتج عن فشلها الذريع في الخروج من الأزمة التي وضعت نفسها فيها بسبب سياساتها القذرة في المنطقة وخياناتها المتكررة لأشقائها في النسب والدين".
ويشدد المزروعي على أن هذه التصرفات الدنيئة لن تستطيع تكميم أفواه الشعراء المناصرين للحق، مهما عظمت وتنوعت تلك الهمجيات، لكنها ستظل في ذاكرة الشعر والشعراء على مر التاريخ، بصفتها وصمة عار لا تمحى، وسقطة إنسانية تشهد على الخلل المتجذر في طبيعة هذه الحكومة التي تعيش مرحلة «الموتة الدماغية» كما يتضح من تصرفاتها التي تشبه تصرفات الشخص المحتضر الذي يعاني سكرات الموت، ويدل على هذا، حسب رأيه، محاولاتها المستميتة لمنع أصوات الشعراء من الوصول إلى الشعب القطري، حتى لا تعلو كلمة الحق، ولا تصل الحقيقة التي تخشاها هذه الحكومة «المحتضرة».
دعم الأحرار
ويضيف المزروعي: "أعتقد أن دورنا كشعراء في دول الخليج العربي، هو أن ندعم شعراء قطر الأحرار المستعدين لرفع صوت الحق، وأن نشاركهم بشعرنا ومشاعرنا، كما علينا مواصلة التعبير عن واقع أولئك الشعراء الذين قد تخيفهم هذه الجريمة وتمنعهم من التعبير عن رأيهم، في ظل حكومة تغدر بأبنائها كما غدرت من قبل بجيرانها".
حماقات وتعسف
يستهل الشاعر سلطان مجلي حديثه في المسألة: "لست سياسياً، ولكن بلسان الشاعر وقلبه، أقول إنه كلما زاد الضغط لكتم صوتي ارتفع صراخي! وهذا ما أتوقع أنه سيحدث في قطر حالياً، والتي لعلها لا تدرك بأنها تشد عقدة الحبل حول عنقها كلما زادت من ضغطها على الرأي العام، وما الشاعر إلا لسان حال قومه، لذلك فمن المؤكد أن ما تقوم به حكومة قطر من حماقات وتعسف هو أمر كفيل بدفع شعبها إلى ثورة ضد إخراس الأفواه الناطقة بالحق.
كما أن هذه التصرفات تسقط القناع الأخير عن وجه إعلام قطر الذي كان يدعي أنه نصير لحقوق الشعوب وقضاياها العادلة.. وصدى لنبض الشارع في كل الدول التي كانت قطر تدعم حركاتها الانقلابية فيما يسمى بـ(الربيع العربي)".
ويختم: "إن واجب شعراء الخليج العربي - من وجهة نظري-، التعبير عن رأي الشاعر القطري المغلوب على أمره، وأن نتكلم بلسانه، ونقول ما لا يستطيع قوله، سواء كان مجبراً على الصمت أو مجبور الخاطر لشراء صمته".
همجية قطر
ويصف الشاعر خالد الظنحاني ما يقوم به النظام القطري تجاه شعب قطر عموماً والشعراء على وجه الخصوص، من قمع وظلم وتجريد للجنسية، بالهمجية، لا سيما وأن هذا النظام يعيش مراهقة سياسية غريبة على المجتمع الخليجي، تعكس وتجسد أسلوب العاجز السفيه الذي لا يستطيع إدارة دولة وشعب عزيز.
ويردف: "الشعراء صوت الأمة وضميرها الحي، يحملون في وجدانهم شمس الحرية، ويعملون على إضاءة دروب الحق، وفتح نوافذ الحياة نحو الأمل، وهو الأمر الذي لا يريده النظام القطري الكاره للضوء، والذي لا يستأنس إلا في الظلام والتيه، فمن الطبيعي أن يقمع جميع أصوات الحق والعدالة والأمل".
أسلوب رخيص
ويتابع الظنحاني: "هذا الأسلوب الرخيص لن يدوم، والنظام القطري الحالي في طريقه إلى الزوال إذا ما استمر على هذا النهج، فالشعب القطري لم يعد يتحمل مراهقة نظامه، فالنصر قادم بإذن الله تعالى، وفي هذا الإطار، أصدر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، أخيراً، تعميماً يقضي بوجوب عدم التعامل مع أية جهة قطرية، أفراداً أو مؤسسات، داخل الدولة أو خارجها، وكذلك منع إجراء أي لقاء أو إقامة أي نوع من التواصل أو المشاركة في أية فعالية قطرية، أو تابعة لقطر أو مموّلة منها.
وقد جاء قرار الاتحاد مُمثلاً لكل المثقفين داخل الإمارات من مواطنين ومقيمين، وهو ما يثبت، كعادة الاتحاد دوماً، أنه صاحب مسؤولية أخلاقية وثقافية تجاه الدولة والمجتمع، وأنه ظل يلعب دوره المعرفي في كل المنعطفات التاريخية التي مرّ بها وطننا الإمارات والعالم العربي أجمع، مستمداً قيمه من الموروث الثقافي العربي، ومن الأخلاق والقيم التي نشأت وقامت عليها دولة الإمارات التي ظلت تمدّ يدها البيضاء بالخير للجميع، حتى صارت مثلاً للتعايش والتعدد الثقافي، فعمّ فيها الأمن وصارت قبلة لكل الناس لما وجدوا فيها من حسن الضيافة العربية".
موقف حاسم
وحول التدابير التي يجب على شعراء الخليج العربي اتخاذها، يقول الظنحاني: "نحن، كمثقفين وشعراء، لن نتعامل مع أية جهة قطرية، أفراداً أو مؤسسات، داخل الدولة وخارجها، ولن نلتقيهم أو نستضيفهم، ولن نشارك في أية فعالية تدعو إليها قطر، ولن نشارك كذلك في الكتابة أو النشر للمواقع القطرية، تجاوباً مع هذا القرار، وإن هذه التدابير لابدّ منها؛ لكون ما تقوم به قطر يمسّ القيم العربية التي قامت على أسسها دول الخليج العربي والإمارات.
وهو خروج صارخ عن هذه القيم العظيمة، وهذا يتطلب موقفاً حاسماً من الدول العربية، وبصورة أخص من المثقفين والشعراء الخليجيين، كما نعلن وقوفنا، شعراء ومثقفين، مع شعراء قطر الأحرار، وسنعمل على التبشير بقيم الخير والسلام، وهذا سيتحقق عبر أشعارنا وأنشطتنا ودعواتنا؛ كوننا ضمير الشعوب".
قمع وحقد يغذيهما فكر ظلامي حاقد ومخططات عدوانية
يبدأ الشاعر أحمد الزرعوني تعليقه بشأن سحب جنسيات الشعراء: "ناقص الحجة غالباً ما يلجأ إلى أسلوب القوة والقمع. وهذا السلوك الصبياني تنتهجه حكومة قطر للأسف، كون حجتها واهية وبرهانها هشّا".
ويتابع: "إن تجريد شعراء قطر من جنسياتهم، والعبث بمستقبلهم، سيجرّد قطر من الأدب ويعبث بمستقبلها الفكري، إلا في حال تجنيس طاقم شعري ملائم للطاقم الفقهي والإداري والسياسي المستورد - وهذا وارد في قطر- مع عدم إغفال أهمية المترجم الأعجمي!!، ما لم ترغب قطر في العودة إلى المنظومة الخليجية، وأما من جهة الدول المجاورة فيجب عليها مساندة شعراء الحق وتكريمهم على موقفهم الجريء واحتواء نصوصهم ونشرها من باب: وشهد شاعر من أهلها".
كبت للحرية وسياسة تخوين وإرهاب تعادي الفكر
يرى الشاعر علي المهيري أن «التجريد من الجنسية والزج في السجون»، أسلوب ضعيف ليس له مردود سوى زيادة النقمة والتمرد.
ويضيف: الشاعر هو مواطن حباه الله بموهبة يعبّر من خلالها عن رأيه، حيث إن رأيه مؤثر ولا يستهان به، وهذه هي حال الشعراء على مر التاريخ، إذ إن كلمتهم هي الأسرع انتشاراً، فقصيدة واحدة مؤثرة كفيلة بأن تخرج شعوباً عن صمتها، وإن استمر وضع مصادرة الكلمة وكبت الحرية والتجريد من الجنسية في قطر، فسيكون الوضع أسوأ مما يتوقعه صناع القرار هناك، فسياسة «إذا لم تكن معي فأنت ضدي».. من دون حل وسط، فيها تجريد من المواطنة الحق القائمة على الديمقراطية، التي تكفل الحق في إبداء الرأي أمام الحاكم، والتي كانت قطر تتباهى بها زوراً، ولا تزال.
ولكن ما نراه هو عكس ذلك تماماً فسياسة التخويف والتخوين هي النهج العام، فلا نرى سوى وجوه دأبت على الظهور في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.. أو وجوه أخرى متخفية وراء أسماء مستعارة هدفها التحريض وإشعال الفتنة، وهنا أوجه تحية إلى كل شاعر حر له موقف واضح وصريح في قطر، متمنياً أن تسمع أصواتهم العقلانية لما فيه من خير للبلاد والعباد.







