لم يأت قرار إسقاط الجنسية عن الشاعر المعروف محمد بن فطيس المري، كحالة شاذة في مسار سلوكيات نظام الدوحة، وإنما كحلقة من حلقات مسلسل الاضطهاد الممنهج للشعر والشعراء.. والحرب المعلنة على حرية التعبير والإبداع في بلد تجمع أغلب المنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية على أنه تحول إلى ساحة للرعب ضد المعارضين السياسيين والمفكرين والمبدعين والإعلاميين المحايدين وللقبائل المدافعة عن وحدة المصير الخليجي، كذلك للعمالة الأجنبية التي تواجه يومياً خطر الموت في حظائر العمل غير الخاضع للقوانين الدولية والقيم الإنسانية.
ويرى المراقبون أن قمع الشعراء ليس جديدا في قطر، وإنما يعود إلى أعوام خلت، عندما تم الحكم بالسجن المؤبد على الشاعر محمد بن راشد العجمي المعروف بإسم إبن الذيب، بسبب قصيدة امتدح فيها ما يسمى بثورة الياسمين في تونس، ودعا إلى أن تهب رياحها على بلاده، ولم يتم إطلاق سراح الشاعر إلا بتداخلات قبيلة بعد أن قضى خمسة أعوام وراء القضبان.
إقامة قسرية
وفي سياق هذا العنف القطري الممنهج بحق المبدعين، ذكرت مصادر إعلامية، الفترة الأخيرة، أن السلطات القطرية أصدرت قراراً بمنع الشاعر محمد بن راشد العجمي من السفر إلى الخارج، وفرضت عليه الإقامة القسرية تحت رقابة أمنية مشددة. وأعلن الحساب/الموقع الإلكتروني «قطر مباشر» على موقع التدوينات القصيرة «تويتر»، أن السلطات القطرية وضعت الشاعر محمد بن الذيب على قائمة الممنوعين من السفر، ومنعت مغادرته البلاد.
وقال الموقع: «قطر تمنع الشاعر القطري محمد بن الذيب من مغادرة سفر، وتضعه تحت قوائم الممنوعين من السفر».
ويأتي ذلك، بعد الاعلان عن إسقاط قطر الإرهاب الجنسية عن الشاعر محمد بن فطيس المرّي، بسبب مواقفه المناوئة لسياسات الدوحة ضد جيرانها وأشقائها، ولإشادته بمواقف المملكة العربية السعودية وحكمة وعزيمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
«تطاول وصفاقة»
ووصف الشاعر بن فطيس التطاول على الملك سلمان بن عبدالعزيز بـ«خط من نار»، وذلك أثناء كلمته بحفل «آل مرة»، قبل أيام، في حفل تضامني نظمته قبيلة يام السعودية تضامناً مع الشيخ طالب بن لاهوم بن شريم، عقب قرار النظام القطري الإرهابي بإسقاط الجنسية عنه.
وقال إن: «التطاول على رموز الخليج العربي والملك سلمان بن عبد العزيز لا يرضينا، وأدعو لتميم بن حمد بالهداية، كما أن سحب جنسية الشيخ»ابن شريم«يمس آل مرة جميعًا ولن نسكت. ونوه بجهود المملكة العربية السعودية في توسعة الحرم وأمن الحجاج، والتي لا يمكن تجاهلها، كما قال. وأضاف: إن التطاول على المقدسات وخادم الحرمين خط من نار، وموقف شيخ آل مرة يحسب له؛ فهو مع وحدة الخليج.
وختم مداخلته بالقول: موقفي مع ابن شريم لن يتزعزع، ولست أنا من يغيب عن موقف التضامن مع الشيخ طالب بن لاهوم بن شريم، وكما عبرت عن رأيي في أبوظبي سأظل على الحق.
ادعاءات كاذبة
وبعد أن التهبت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بأقسى عبارات التنديد بسحب الجنسية عن الشاعر محمد بن فطيس المرّي، لجأ إعلام»تنظيم الحمدين«لنشر شريط فيديو لأحد أعمام الشاعر، يدعي فيه أن الخبر لا أساس له من الصحة، ما دفع بالمراقبين إلى التساؤل: لماذا لم ينف الشاعر بنفسه الخبر ؟ وما الداعي للجوء إلى عمه للتفنيد ؟ ولماذا لم يخرج على الناس مصدر رسمي مسؤول ليؤكد أن الشاعر محمد بن فطيس المرّي لم تسحب منه جنسيته ؟
5 أعوام خلف القضبان
صحيح أن الممارسات القطرية الجائرة بحق الإبداع وأهله، كما الحال بحق الإنسانية وانتهاك الدوحة لحرماتها، لا تعد ولا تحصى، لكن من بين البارز فيها مسائل وقضايا كثيرة لا يمكننا إلا أن نعرج عليها، ومن بينها: حكم محكمة أمن الدولة القطرية في 29 نوفمبر 2012، على الشاعر محمد بن راشد العجمي المعروف ب»ابن الذيب«، بالسجن المؤبد بتهمة»التطاول على رموز الدولة والتحريض على الإطاحة بنظام الحكم والطعن في صلاحيات الأمير والإساءة المتعمدة لولي العهد «.
ثم، وفي مارس 2013 أصدرت محكمة الاستئناف حكما ًبتخفيض الحكم إلى 15 عاما بعد إدانته بتهمة التحريض على النظام في قصيدة ألفها عام 2011.
وقد انتقد محمد نجيب النعيمي، محامي الدفاع عن ابن الذيب حكم المحكمة، الذي قال إنه كان مسيساً، مشيراً إلى أنه يعتزم التوجه إلى محكمة التمييز كخطوة أخيرة للنظر في القضية، وأكد في دفاعه عن العجمي»عدم وجود إثبات قاطع بأن العجمي قد ألقى القصيدة التي يحاكم بسببها، في محفل عام أو أمام الإعلام وإنما في شقته بالقاهرة. وكان ابن الذيب قد دشن قصيدته بتوجيه خطابه إلى محمد الغنوشي، رئيس إلى الحكومة التونسية الأولى بعد 14 يناير 2011 قائلا:
يالوزير الاولـي يامحمـد الغنّوشـي
لو حسبنا سلطتك ماهيـب دستوريّـه
مابكينا بن علـي ولا بكينـا عصـره
نعتبرهـا لحظـةٍ بالعمـر تاريخيـه
دكتتوريـة نظـام القمـع واستبـداده
اعلنت تونس عليه الثـوره الشعبيـه
وبعدها، تحول الشاعر للحديث في قصيدته تلك، عن مبادئه، فهو لا يمدح ولا يهجو إلا عن قناعة وإيمان بمواقفه الراسخة:
إن ذممنا مانـذم إلا حقيـر وواطـي
وإن مدحنا نمدح بقناعـةٍ شخصيـه
ثم يتجه الشاعر للحديث عن معنى وقيمة الثورة في وجه الطغاة المستبدين، موضحاً أن الأحداث المأساوية عادة ما تستبق الإعلان عن نصر قادم، وهو هنا يدعو إلى أن يقوم الثائر بواجبه في نحت طريق الإنقاذ من طغمة الفساد والاستبداد:
أجج الثوره بـدم الشعـب ياثائرهـا
وانحت انقاذ الشعوب لكل نفسن حيّـه
قلهم في قول من كفنـه يشلّـه كفـه
كل نصرٍ تستبقه احـداث مأساويـه
«وتصبح ما معك جنسية»
وفي الأبيات التالية، يفضح الشاعر حقيقة نظام الحمدين، الذي يعتبر أنه ينال العز بوجود قاعدة أميركية على أراضي بلاده، ويتحدث عن طفرة إقتصادية ومالية بينما شعبه يعاني الفقر والحاجة، وأهل البلاد ينامون ليلهم ومعهم جنسية الوطن الذي ينتمون إليه، ويستفيقون صباحاً وهم من دون جنسية:
آه عقبال البلاد اللي جهـل حاكمهـا
يحسب ان العزّ بالقـوات الاميركيـه
وآه عقبال البلاد اللي شعَبْهـا جايـع
والحكومه تفتخر في طفـرة الماليـه
وآه عقبال البلاد اللي تنـام مواطـن
معك جنسيه وتصبح مامعـك جنسيـه
وفي مارس 2016، أفرج عن الشاعر محمد ابن الذيب بشفاعة شيخ شمل قبيلة العجمان، خالد بن راكان العجمي، وبعد أن اتخذت قضيته بعداً دولياً، وقامت منظمات حقوقية عربية ودولية بالتنديد بالحكم على شاعر والزج به في السجن من أجل قصيدة شعرية في بلد يدعي نظامه الدفاع عن حقوق الشعوب في حرية التفكير والتعبير.
اعتقال شاعر بسبب بيتين
وأيضا، في أوائل سبتمبر الماضي، اعتقلت السلطات القطرية الشاعر القطري المعروف بريك بن هادي المري، بعد أن أدى مناسك الحج لهذا العام، ومن ثم أفرجت عنه بعد أسبوع واحد.
ورد المراقبون سبب الاعتقال إلى بيتي شعر مدح بن هادي فيهما السعودية وقادتها، مشيداً بتنظيمها لمواسم الحج وخدمة الحجاج، وذلك في موقف مغاير لموقف بلاده قطر التي تتهم الرياض بعرقلة حج القطريين. وقد نشر الشاعر البيتين عبر حسابه في موقع (تويتر). كما أنه ظهر على شاشة قناة (العربية) مشيداً بتعامل السعودية مع الحجاج القطريين، وقال الشاعر في مدح السعودية وقادتها:
يا بوفهد يا ميّسر حج خلق الله،
كثرت علوم العرب والواقع الفيصل
أرضيت حجاج بيت الله لوجه الله،
الله يديمك ويسلم خالد الفيصل
