في ظل التكهنات حول احتمال تأجيل قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية المقرر عقدها بالكويت في ديسمبر المقبل، تواصل الكويت محاولاتها للمّ الشمل الخليجي والعربي، وحل الأزمة التي ألقت بظلالها على المنطقة، عبر الدعوة إلى الحوار لرأب الصدع الذي هز البيت الخليجي.


وأكدت دولة الكويت في هذا الإطار، استعدادها لاحتضان القمة، واستمرار وساطتها ومساعيها لحل الأزمة، وفتح صفحة جديدة في مسيرة التعاون الخليجي، وذلك اعتماداً على حكمة قادة دول المجلس، وحرصهم على تعزيز وحدة الصف الخليجي في التصدي للتحديات الاستراتيجية المتفاقمة في المنطقة، لا سيما وأن الكويت لم تصدر بعد موقفاً رسمياً تجاه موعد القمة الخليجية.


وعلقت مصادر دبلوماسية ومراقبون ومحللون من الكويت وخارجها على مسألة عقد القمة واحتمال تأجيلها، ورجح معظم هؤلاء تأجيل القمة بطلب كويتي بغية احتواء وإزالة الخلافات، بما يسمح بانعقاد هذه القمة في أجواء ودية تساهم في عودة المياه إلى مجاريها، والمحافظة على وحدة الصف الخليجي خصوصاً والعربي عموماً.


ولعبت قطر دور المُعطل لمجلس التعاون الخليجي بدورها المشبوه في حياكة المؤامرات لدول المنطقة وتنفيذ مخططات أعدائها، وهو الأمر الذي تمت مواجهته بمواقف قوية من الدول الداعية لمكافحة الإرهاب. ومع عدم نجاح الوساطة الكويتية في إقناع النظام القطري بالاستجابة للمطالب الـ 13 فإن التئام القمة الخليجية صار أمراً محفوفاً بالمخاطر التي من شأنها أن تؤثر على مجلس التعاون الخليجي في ظل الخلاف حول مشاركة قطر.


سيناريوهات
وفي هذا السياق يطرح مراقبون بعض السيناريوهات المحتملة فيما يتعلق بعقد القمة الخليجية أو تأجيلها، منها انعقاد القمة بمشاركة جميع دول المجلس، حرصاً على صورتها والحفاظ على كيان المجلس ككل وعدم تأثره لاحقاً بمثل هذه الظروف.
ومن السيناريوهات المطروحة كذلك، انعقاد القمة من دون قطر أو تأجيلها إلى وقت لاحق من العام المقبل، أو الدعوة للقمة وانعقادها بمن حضر، إضافة إلى دعوة مصر لحضور القمة.


وفي هذا الصدد، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، د.إبراهيم الهدبان لـ«البيان»، إن احتمالية تأجيل القمة الخليجية المقبلة، تأتي في ظل المساعي لمراجعة المواقف الخليجية المختلفة والوصول إلى حل للخلافات والحد من تفاقمها، وإزالة الظروف «غير الصحية» التي تعكر صفو العلاقات في البيت الخليجي الواحد. وأشار إلى أنه في حال عقدت القمة، بغياب أحد الأطراف، فإن ذلك سيعد سابقة، لافتاً إلى أنه في حال التأجيل، من الصعب التكهن بموعد آخر لانعقادها، لا سيما وأن عقد القمة يرتبط بحل الأزمة.


احتمالات متساوية
من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي الكويتي د.إبراهيم دشتي، أن احتمالات تأجيل القمة أو عقدها متساوية، مشيراً إلى أن غياب إحدى دول المجلس عن القمة يعد سابقة وستكون «صعبة» على كل دول المجلس من حيث التبعات. وبيّن دشتي، في تصريح مماثل لـ«البيان» أن عقد القمة يعتبر فرصة للمّ شمل البيت الخليجي، معرباً عن الأمل في نجاح الوساطة الكويتية، والمساعي الأميركية، في إنهاء هذه الأزمة، والرهان على حكمة الأخوة الخليجيين للمحافظة على الكيان الخليجي الواحد.


وقال السفير المصري السابق في قطر محمد مرسي عوض لـ«البيان»، إنه لا يستبعد تأجيل انعقاد القمة في ضوء استمرار الأزمة الراهنة، على اعتبار أن انعقاد القمة في ظل الأزمة يثير الكثير من المشكلات وبخاصة فيما يرتبط بمشاركة قطر فيها، ذلك في الوقت الذي تحتمي قطر بإيران التي تشكل تهديداً لأمن الخليج.

وقال مساعد وزير خارجية مصر الأسبق محمود السعيد إن قطر هي الخاسرة من أي تأجيل للقمة الخليجية التي من المقرر عقدها في ديسمبر، ذلك في الوقت الذي تتواصل الخسائر القطرية بسبب المقاطعة المفروضة على الدوحة من الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، وبدأت الآثار السلبية لتلك المقاطعة على الاقتصاد القطري تظهر بصورة كبيرة حتى إن الحكومة القطرية اضطرت لضخ 20 مليار دولار من صندوقها السيادي.

وتابع قائلاً: النظام القطري يريد انعقاد القمة بأسرع وقت كي يدعي أنه دخل في حوار مع دول الخليج، وأنه عاد إلى العائلة الخليجية.. في محاولة للالتفاف، لا سيما أن الدوحة تتبع الأسلوب الإسرائيلي في التفاوض وتريد الدخول في حوار بدون شروط.


تساؤلات
وقال سفير مصر الأسبق لدى الدوحة السفير محمد المنيسي، إن احتمالات تأجيل القمة الخليجية أمر منطقي، لا سيما أن هنالك أربعة أعضاء داخل مجلس التعاون الخليجي بينهم خلافات، ثلاثة أعضاء ممثلين في (السعودية والإمارات والبحرين) يواجهون (قطر) التي تصر من جانبها على دعم وتمويل الإرهاب وتدخلاتها الخارجية، بالتالي فإن انعقاد القمة في ذلك التوقيت يعتبر أمراً صعباً وغير مناسب.
وشدد المنيسي لـ«البيان» على أن تأجيل التئام القمة هو أنسب حل في الوقت الراهن للحفاظ على مجلس التعاون الخليجي، مشدداً على أن هنالك مطالب بتجميد عضوية قطر في المجلس، وهو أمر يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء في المجلس.


سياسات قطر العبثية
ولم يستبعد محللون سياسيون بحرينيون تأجيل القمة الخليجية في سابقة تاريخية، موضحين بأن أي تصدع في البيت الخليجي، تتحمل قطر مسؤوليته كاملة، بل إنه يدخل في صلب أجنداتها. وأوضحوا لـ«البيان» إضرار قطر على موقفها الرافض لاتخاذ أي خطوة للأمام في سبيل حل الأزمة، أوصل المنطقة إلى حالة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الخليجية ؛ يجعل المنطقة تعيش في حالة غليان مجهولة النهاية والمصير.


وأكد السفير السابق بوزارة الخارجية والخبير في العلاقات الخليجية والدولية حمد العامر بأن «التطورات الخطيرة للأزمة الخليجية تتطلب من قطر مواجهة تبعاتها بشجاعة ودون تردد، خصوصاً وأن سياساتها العبثية هي التي تسببت في تدهور أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمتجهة نحو مزيد من التدهور على كافة المستويات وفق ما تؤكده التقارير المتخصصة».


وأضاف العامر إن «من المتوقع - وبسبب تعنت دولة قطر - عدم عقد القمة الخليجية في موعدها ومكانها المقررين (ديسمبر 2017 م - دولة الكويت)، وسيتبع ذلك لا محالة سحب تنظيم كأس العالم لكرة القدم لعام (2022) من الدوحة، وهي التي استماتت للحصول على حقوق تنظيم هذه الفعالية العالمية المهمة وبدأت منذ سنوات في تهيئة الملاعب والشوارع والمباني لإقامتها وصرفت المليارات من أجل ذلك».


ثقة معدومة
وبدوره، قال المحلل السياسي سعد راشد إن هناك خطوات متقدمة في الوساطة الكويتية بشأن الأزمة القطرية حول إنهائها لتهيئة الأرضية المناسبة لعقد القمة الخليجية بالكويت. وبين راشد أن الدول الداعية لمكافحة الإرهاب ثابتة على موقفها من الأزمة، حيث إن قطر أخلت بتنفيذ اتفاق الرياض 2013 والاتفاق التكميلي 2014.


وعن تأجيل القمة الخليجية، قال «النظام القطري خرق مواثيق التأسيسية لدول مجلس التعاون وانفرد بقرارات وخطوات لرسم مصالحة على حساب الشعوب الخليجية. وافتعل الأزمات والفوضى والتي أسقطت بفضل الله من ثم حكمة قادة المنطقة». وزاد «انعقاد القمة الخليجية أصبح بيد الدوحة وعليها استغلال هذه القمة لإنهاء الأزمة من خلال وضع جدول زمني لتنفيذ المطالب الدول الداعية لمكافحة الإرهاب».


وقال أحمد مسعود من وكالة الصحافة العربية إن «قطر لعبت ولا زالت تلعب دوراً مشبوهاً ضد منطقة الخليج وخصوصاً دول مجلس التعاون وهي المنظمة التي تنتمي إليها، لكنها تنكرت لهذه الروابط، ولعبت أدواراً لمصلحة أميركا وتبنت سياسات تمزيق غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط والثورات المشبوهة التي سُميت بالربيع العربي ومحاولة تغيير وخلخلة الدول العربية وتجزئتها».
وأكمل «لا تزال قطر تلعب دوراً أكبر من حجمها الجغرافي والسياسي والديموغرافي، في ظن من حكامها بأن بالأموال يمكن شراء الذمم والضمائر لتحقيق هذا الدور، وبالرغم من كل محاولات الصلح مع شقيقاتها».


وعن احتمالية تأجيل القمة الخليجية بالكويت، قال: أرى بأن تأجيل القمة 6 أشهر، أمر إيجابي وسط الظروف الواهنة، وعلى أن يعقد مؤتمر لوزراء خارجية دول المجلس تناقش مستجدات القضية، وتتخذ قرارات بشأنها تعرض على مؤتمر القمة عند حلول موعد انعقاده.