تلوح في الأفق مؤشرات قوية على مضي العلاقات السودانية الأميركية إلى مزيد من الانفراج، ففي غضون الأشهر القليلة الماضية بدأت تلوح في الأفق بوادر إيجابية من قبل الإدارة الأميركية نحو تطوير علاقاتها مع السودان بعد قطيعة استمرت أكثر من عقدين، كان أبرز تلك البوادر تخفيف العقوبات المفروضة على السودان وتوقعات رفعها نهائياً في 12 أكتوبر المقبل، وهو اليوم الذي يحبس السودانيون أنفاسهم في انتظاره، إلى جانب ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستثناء السودان من قائمة الدول المحظور سفر مواطنيها إلى الولايات المتحدة، وهو ما عدّه مراقبون خطوة إيجابية نحو الرفع الكلي للعقوبات.
ومما لا شك فيه أنّ متغيرات كثيرة لعبت دوراً في إحداث التطورات الراهنة، تتمثل أهمها في تحول مواقف الحكومة السودانية من خلال استبدال مواقفها وتنازلها عن شعاراتها المعادية للغرب وأميركا بمواقف أكثر مرونة عبر التعاون والتنسيق، لاسيّما في ما يتعلق بملفات مثل مكافحة الإرهاب ومحاربة الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر، والذي يمثل اللبنة الأولى في سبيل إصلاح ما تهدم من جسور بين البلدين خلال سنوات القطيعة، فضلاً عن الجهود الكثيفة التي قادتها عدد من الدول الصديقة للسودان على المستويين الإقليمي والدولي من أجل خلق مزيد من الانفتاح مع الولايات المتحدة، ودعم تلك الدول لمساعي السودان الرامية لرفع العقوبات الأميركية عن كاهله.
نوافذ أمل
ورغم نوافذ الأمل وحالة التفاؤل الرسمي والشعبي برفع العقوبات الأميركية المقرر صدور قرار بشأنها من ترامب في 12 أكتوبر المقبل، إلّا أنّ خبراء سودانيين يرون أن واشنطن ظلت تمارس حالة من الابتزاز تجاه الخرطوم من خلال إضافة بنود جديدة لخطة المسارات الخمسة المتفق عليها، تتمثل في مطالبة السودان بالالتزام بقضية حقوق الإنسان والحريات الدينية، كما أنهم ينوهون إلى أنّ رفع العقوبات لا يعني التحلل من كروت الضغط الأميركي في ظل وجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب.
مباحثات
وقاد وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور خلال زيارته الولايات المتحدة على هامش مشاركته ممثلاً لبلاده في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مباحثات مكثفة مع المسؤولين الأميركيين، وعلى الرغم من الحوار الإيجابي إلّا أنّ هناك قضايا جديدة برزت خلال تلك اللقاءات مثل التزامات السودان بقضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية، وكانت مطالبات المسؤولين الأميركان جميعاً تشير إلى ضرورة التزام السودان تجاهها من خلال تحقيق نتائج إيجابية بشأنها.
ابتزاز
ويرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية بروفسور صلاح الدومة في تصريحات لـ«البيان»، أنّ الإدارة الأميركية لا تقنعها الحجة بقدر ما تقنعها الرغبة في تحقيق أهدافها، معتبراً أنّ ما يقوم به الأميركيون حول العقوبات نوع من الابتزاز السياسي والدبلوماسي، باعتبار أن القضايا المطروحة الآن ليست سبباً للعقوبات والخلاف بين البلدين، مضيفاً: «بقدر ما نلوم الولايات المتحدة علي فرض هذه العقوبات القاسية، فإننا أيضاً نوجه اللوم الخرطوم التي تعنتت قبل فرضها وتجاهلت كل التحذيرات بخطورة هذه العقوبات على البلاد، ولكنها تمادت ورفعت شعارات معادية قادت إلى ما قادت إليه».
وبشأن النقاط التي أثيرت خارج المسارات الخمسة، قال الدومة، إنّ الحكومة السودانية لم تف بالتزاماتها تجاه تحسين أوضاع حقوق الإنسان حتى الآن، مشيراً إلى بعض الممارسات مثل الإجراءات التعسفية تجاه المعارضين، ووجود معتقلين سياسيين ومصادرة الصحف من قبل الأجهزة الأمنية، إلّا أنّه استبعد ارتباط تلك القضايا برفع العقوبات باعتبار أنّ الأميركيين إذا أرادوا رفع العقوبات لا ينظرون لتلك القضايا، مردفاً: «على الحكومة السودانية إرضاء شعبها قبل إرضاء الأميركيين».
تفاؤل حذر
بدوره، بدا الخبير في الشأن الدبلوماسي السفير الرشيد ابو شامة أكثر تفاؤلاً بالتوصل إلى نتائج مثمرة بين الجانبين، لاسيما وأنّ القضايا التي أثيرت خارج شروط الحوار السوداني الأميركي واردة في خطة المسارات الخمسة، لافتاً إلى أنّ هناك بعض التحسن الذي طرأ على أوضاع حقوق الإنسان من خلال بقاء السودان في البند العاشر. وأوضح أنّ التقارير الصادرة عن المؤسسات الأميركية مثل وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية جميعها تصب في مصلحة السودان، مضيفاً: إلّا أنّ رفع العقوبات عن السودان لا يعني التحلل من كل كروت الضغوط باعتبار أنّ الإدارة الأميركية لا تزال ممسكة ببقاء اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب.