فيما تمعن سلطات الاحتلال في إجراءاتها التهويدية في مدينة القدس المحتلة، فإن ثمة مدينة فلسطينية تاريخية أخرى، يتهددها التهويد، بهدف تدمير مقومات بقائها، وطمس هويتها الوطنية، ومحاولة ابتلاع أكبر مساحة ممكنة من أراضيها.
ففي الخليل، المدينة الفلسطينية التي لا تقل عراقة وتاريخاً، عن جارتها القدس، يستهدف الاحتلال سكانها الشرعيين، محاولاً طردهم من بلدتها القديمة، ويمارس تهودياً استيطانياً صامتاً، حيث النهب والمصادرة، والاعتداءات اليومية على السكان.
خصوصاً وأن الخليل، هي المدينة الفلسطينية الوحيدة، التي لم ينسحب منها الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل، كما باقي المدن، طبقاً لاتفاق أوسلو العام 1993، إذ نص «اتفاق الخليل» العام 1995 على تقسيم المدينة إلى منطقتين، تتولى السلطة الفلسطينية السيطرة على المنطقة الأقل مساحة بينهما، فيما تخضع الأخرى للسيطرة الإسرائيلية.
نظرية مزعومة
ولعل زيارة واحدة إلى البلدة القديمة في «مدينة الأنبياء»، تكشف صعوبة ما يعانيه الفلسطينيون في هذه المنطقة، حيث يعربد المستوطنون في الشوارع والطرقات، ويلقون القاذورات على منازل «جيرانهم» الفلسطينيين، ومن يتأمل المشهد هناك، يرى العديد من المنازل، وقد تهشم زجاج نوافذها.
بينما تظهر بوضوح علامات الزجاجات الحارقة، التي يلقيها المستوطنون المتطرفون، على جدران المنازل، ضمن المحاولات المتكررة لحرقها، وكل هذه الاعتداءات، تندرج ضمن نظرية هؤلاء المزعومة، بالعودة إلى «مدينة الأجداد» حسب اعتقادهم!!.
تغيير معالم
إذ قُدّر لك أن تدخل بلدة الخليل القديمة، فإنك على غير العادة، ستظن أنك أخطأت الطريق، ووصلت إلى حي يهودي!!، فعصابات المستوطنين تصول وتجول في الشوارع، وتعسكر على أعتاب المنازل الفلسطينية، فيما الأطفال الفلسطينيون لا يستطيعون الخروج إلى مدارسهم لوحدهم، وإلا سيكونون عرضة للملاحقة والضرب.
والقذف بالحجارة وأحياناً بالمياه الملوثة، ولا يكاد يخلو بيت فلسطيني، من أكوام النفايات التي يضعها المستوطنون، بهدف التنغيص على حياتهم، وإجبارهم على الرحيل، وعن ذلك يقول الفلسطيني عمران الجعبري: «نضطر في كثير من الأحيان لتثبيت شيك حديدي على شبابيك منازلنا، وفي أحيان أخرى سقف بعض الشوارع، لتفادي الاعتداءات التي يمارسها المستوطنون ضدنا».
ومنذ مذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف، على أيدي غلاة المستوطنين العام 1994، تغلق سلطات الاحتلال شارع الشهداء، الذي يشكل قلب الخليل النابض، بينما تحدّ ممارسات قوات الاحتلال العنصرية، من حرية التنقل للفلسطينيين، الذين يضطرون في كثير من الأحيان للتسلل تحت جنح الظلام، من بيت إلى بيت، للوصول إلى مشفى أو عيادة طبية، إذا اقتضت الضرورة لبعض الحالات المرضية، لكن هذا الأمر لا يقدر عليه النسوة وكبار السن والمرضى.