حمل البيان الأخير الصادر عن الدول الداعية لمكافحة الإرهاب عدداً من الرسائل والإشارات بالغة الأهمية، ومثّلَ في مجمله تأكيداً على ثوابت الرباعي العربي وتمسكه بموقفه إلى أبعد حد، بما يحبط محاولات قطرية للتلاعب على المطالب.

أحبطت الدول الداعية لمكافحة الإرهاب محاولات قطرية لتكرار سيناريو تعهدات الدوحة في العامين 2013 و2014 وأقرت عدم الثقة في قطر ورفض أي شروط مسبقة لأي حوار حول تنفيذ الدوحة للمطالب التي قدمتها هذه الدول، كما تم التأكيد على إدراك عدم جدية الجانب القطري في الحوار ومكافحة الإرهاب.

وعلّق الكاتب والسياسي المصري نبيل زكي، على بيان دول المقاطعة بالبيان الموفق والحكيم تمامًا، على اعتبار أنه يدل على أن الدول المقاطعة تعلمت من دروس الماضي ولا تريد أن تكرر تجارب سابقة مرة أخرى، لا سيما أنها حصلت على تعهدات سابقة من قطر في الأزمة السابقة ووعدت قطر بتغيير سياساتها لكن لم تلتزم بذلك، ومن ثم فليس هنالك مجال للثقة في التعهدات والوعود القطرية الشفهية التي هي لا قيمة لها على الإطلاق، وبالتالي حرصت الدول الأربع على التأكيد على رفض دخول الحوار حول تنفيذ المطالب بشروط مسبقة أو رفع المقاطعة.

والبيان الصادر حسب ما يؤكد زكي لـ «البيان» يعي دروس الماضي والتجربة السابقة مع قطر التي لا عهد لها، ولا يمكن أبدًا وبأي حال من الأحوال الثقة في الدوحة التي تسعى للالتفاف على المطالب وكسب الوقت.

وتضمن البيان الصادر فجر أمس تأكيدات على عدم وجود الخيار العسكري ضمن خيارات الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، على اعتبار أنه «لم ولن يكون مطروحًا بأي حال». وهذا التأكيد يعد بمثابة تفويت للفرصة على العديد من الأطراف ومن بينها إيران، الذين يتحينون الفرصة ويحاولون توريط دول المقاطعة في تدخل عسكري، يخدم مشروع تلك الدول بشكل عام، لا سيما مشروع إيران في المنطقة.

أزمة سياسية

ويوضح المدير السابق لأكاديمية ناصر العسكرية الخبير الاستراتيجي المصري اللواء زكريا حسين في تصريح لـ«البيان» أن الأزمة هي أزمة سياسية في الأساس وناتجة عن سلوكيات وسياسات دولة قطر العدائية إزاء دول المنطقة، ويتم التعامل معها في إطارها السياسي والدبلوماسي وتستخدم الدول الداعية لمكافحة الإرهاب ما لديها من أدوات في مواجهة قطر في هذا الإطار دون أن يكون الخيار العسكري ضمن تلك الأدوات.

ويوضح أن قطر دولة عربية خليجية والشعب القطري شعب شقيق، ولا يمكن أبدًا رفع السلاح بوجهها، وأن الحل العسكري غير قائم ولا مطروح منذ بداية الأزمة ولن يكون مطروحًا. فيما لفت إلى أن بيان دول المقاطعة جاء مؤكدًا لمسألة أن الدوحة غير جادة في الحوار وليست هنالك إشارات أو نوايا من جانبها للاستجابة، كما أن السياسة القطرية لم تتغير، بينما الضغط الاقتصادي والمقاطعة واتساع دائرة الذين لا يدعمون الدوحة أو يقفون إلى جوارها سيؤدي ذلك كله في النهاية لامتثالها للمطالب. والمطالب جميعها هي مطالب مشروعة، تستهدف وقف تمويل وإيواء العناصر والكيانات الإرهابية، وتطالب كذلك بعدم توفير وسيلة إعلامية تروج لهم وتدعمهم، وجميعها مطالب سوف تستجب إليها الدوحة بعد اشتداد الخناق عليها ومواصلة الضغط، وفق زكريا.

التغلغل القطري

وتضمن البيان المشترك كذلك تأكيدًا على التغلغل القطري في الشؤون الداخلية للعديد من الدول التي امتنعت عن إعلان موقفها بالفعل من الأزمة الحالية خشية الدور القطري بداخلها، لا سيما أن للدوحة سوابق عديدة في دعم الانقلابات واحتضان وتمويل الإرهاب والفكر المتطرف وخطاب الكراهية. فيما سلط البيان الضوء على جهود الوساطة التي يبذلها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وكذا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أجل حل الأزمة.

في السياق، أفاد مستشار مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية السفير أشرف حربي في تصريح لـ«البيان» بأن بيان دول المقاطعة جاء تأكيدًا على المطالب التي تم الإعلان عنها في وقت سابق، وشددت الدول الأربع خلاله على أنه ليس أمامهم طريقًا آخر يمكن أن يسلكوه سوى أن تذعن الدوحة لهذه المطالب، فيما نفوا إمكانية أن يكون البديل هو الحل العسكري.

وحول الوساطة الكويتية، شدد على أنها سوف تستمر وفاعلة، لأنها هي الوساطة التي يمكن أن تكون مقبولة من الأطراف كافة لأسباب كثيرة، من بينها ثقة جميع الأطراف في حكمة وقدرة أمير الكويت على لم الشمل، ومكانته داخل المجتمع الخليجي وأيضًا مكانته إقليميًا ودوليًا ودوره في حل الكثير من المشكلات ليس فقط في الخليج ولكن في الإطار العربي والإسلامي عامة. معتبرًا في السياق ذاته أن الجانب القطري لا يجد كذلك وجهًا مقبولًا كوسيط سوى الكويت، لما لها من علاقات مشتركة. وليس هنالك حلًا -وفق حربي- سوى أن تكون الوساطة تحت رعاية جامعة الدول العربية وبدعم من مجلس الأمن «حتى نذهب إلى أقصى درجة ممكنة من الضغط على الجانب القطري للامتثال للمطالب».

صراع داخلي

إلى ذلك، رجح مراقبون أن تصريحات وزير الخارجية القطري جاءت لمحاولة التشكيك فيما ورد على لسان أمير دولة الكويت وتكشف عن وجود انقسامات داخل مؤسسة الحكم في الدوحة، بين أطراف تدفع نحو الاستجابة لمطالب الدول الداعية لمكافحة الإرهاب وطي صفحة الماضي، وأخرى تصّر على السير في طريق التآمر على الأشقاء ودعم الإرهاب والتحالف مع أعداء الخليج والأمة العربية.

وأبرز المراقبون أن الحديث عن تجنب الحل العسكري، جاء في سياق ما سعى إلى الترويج له تنظيم الحمدين من أن قطر مهددة من أشقائها العرب، وذلك بهدف تبرير فتح أراضي بلده للقاعدة التركية وجحافل الحرس الثوري الإيراني وعناصر الجماعات المتشددة والميليشيات المسلحة الوافدة من أفغانستان وليبيا وسوريا لحماية نظام الدوحة من شعبه الرافض لسياساته التخريبية والعدوانية ضد دول مجلس التعاون وبقية الأقطار العربية.

ووفق المراقبين، فإن أمير دولة الكويت صدق عندما تحدث عن قبول نظام تميم للمطالب الـ13، إلا أن وزير الخارجية القطري سارع بنفي ذلك لمنع ما يعتبره تنظيم الحمدين حرجاً أمام حلفائه في المنطقة والعالم كتركيا وإيران والإخوان والحوثيين وتنظيم القاعدة وبقية الجماعات والكيانات والعناصر الإرهابية.

قطر تخادع

وقال عضو مجلس النواب المصري الإعلامي مصطفى بكري، إن قطر تثبت عنادها وإصرارها على الاستمرار في مخططها الهادف إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ودعم وتمويل الإرهاب، وكتب في تدوينة على حسابه بموقع التدوين القصير «تويتر»: «مجدداً تثبت قطر عنادها وإصرارها على الاستمرار في مخططها الهادف إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ودعم وتمويل الإرهاب والتحريض على الفوضى وإسقاط الدولة الوطنية».

وتابع: «فبعد تصريحات أمير الكويت التي بشر فيها بقرب إنهاء الأزمة مع قطر واستعدادها للاستجابة لتنفيذ الشروط الـ 13 التي تم إبلاغها بها في وقت سابق، قام وزير خارجية قطر بالرد الفوري على حديث أمير الكويت، وراح يشدد على أن قطر لن تتحاور مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب إلا بعد وقف إجراءات المقاطعة مما سبب إحراجًا لأمير الكويت، وهو ما دعا الدول الداعية لمكافحة الإرهاب إلى إصدار بيان فوري قالت فيه «إن وضع شروط مسبقه يؤكد عدم جدية قطر في الحوار ووقف تمويل الإرهاب ومكافحته والتدخل في الشأن الداخلي للدول».

وأردف بكري: «أظن أن الرد القطري الأخير هو خير دليل على ذلك، وإذا كانت الدول الداعية لمكافحة الإرهاب قد أكدت في بيانها أن الخيار العسكري لم ولن يكون مطروحاً في التعامل مع هذه الأزمة، فيجب أن يكون البديل إجراءات أكثر فاعلية، وأولها وقف شراء الغاز القطري الذي يمثل أكبر مصدر لتمويل الإرهاب»، مضيفًا أن الذين يتباكون على النظام القطري، إما أنهم تابعون وجماعات إرهابية إخوانية مستفيدة، وإما أنهم مجموعات معادية أعماها الحقد عن التفرقة بين مصلحة الوطن، ومصالحهم الخاصة أو صراعهم على السلطة».

لا ثقة بالدوحة

إلى ذلك، أكد رئيس مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، محمد السلمي، أن الإخوان ومرتزقة الإعلام هم أكثر الناس خوفًا ورعبًا من موافقة قطر على شروط الدول الداعية لمكافحة الإرهاب. وكتب السلمي في تغريدة له عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، أن مرتزقة عزمي بشارة أوقفوا تغطية كلمة أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح على قناة الجزيرة القطرية. وتابع: «هكذا هي الجزيرة ضد المصالح الخليجية وقبلها مصلحة الشعب القطري الشقيق».

وقال الباحث السياسي السعودي، سلمان الأنصاري، إن الحكومة القطرية الحالية، غير موثوق بها، لإتمام التصالح، بسبب دعم قطر للتحريض على الإرهاب ضد مصر. وأضاف في مداخلة تلفزيونية أن أمير الكويت كانت له نوايا صادقة لحل الأزمة القطرية مع مصر والبحرين والسعودية والإمارات، ولكن الجميع لا يثقون في نوايا قطر، لدعمها التطرف. وشدد الأنصاري على أن الدول الداعية لمكافحة الإرهاب لن تصدق كلاماً شفوياً أو مكتوباً من جانب قطر للتصالح، ولكن لغة الأفعال هي من ستتكفل حل الأزمة.