شهدت الأيام القليلة الماضية تصاعد التناقض في خطاب الدبلوماسية القطرية إلى مستويات غير مسبوقة، في مؤشر إلى التخبط الشامل الذي بات يهيمن على النظام الحاكم في الدوحة، وقد تجلى هذا التناقض في 3 قضايا محورية هيمنت على تطورات الأحداث في الأسابيع القليلة الماضية، وعلى رأسها مشاركة المواطنين القطريين في الحج، الموقف من مجلس التعاون الخليجي وتأثير المقاطعة.
ففي الوقت الذي وصل فيه 1564 حاجاً قطرياً لأداء فريضة الحج، بفضل التسهيلات التي وجه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بها للحجاج القطريين، وهو ما يزيد بشكل ملحوظ عن عدد الحجاج القطريين في العام الماضي، خرجت صحيفة رسمية قطرية بمانشيت يقول «عدد حجاج قطر صفر هذا العام»، وهو ادعاء تكذبه عشرات اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحافية التي أجريت مع الحجاج القطريين لدى عبورهم منفذ سلوى الحدودي في طريقهم لأداء شعائر الحج.
وقد أثارت سياسة الكذب التي يتبعها تنظيم الحمدين سخطاً واسعاً في مختلف أنحاء المنطقة الذين تندروا على الادعاءات القطرية بقولهم إنه يبدو أن الدوحة لم تعد تعتبر مواطنيها الذين أدوا فريضة الحج هذا العام من القطريين لأنها أسقطت عنهم جنسياتهم.
ويبدو أن نجاح الحجاج القطريين في أداء الحج، وسط امتيازات ضمن مكرمة خادم الحرمين الشريفين، كانت وراء الحملة التي شنها تنظيم الحمدين من أجل الإساءة للمملكة العربية السعودية. وبلغت أكاذيب هذه الحملة إلى حد الزعم أنه لم يصل أي حاج قطري إلى المملكة.
غير أن أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، أعلن أمس أن عدد الحجاج القطريين القادمين لأداء فريضة الحج بلغ 1564 حاجاً، وهو ما يزيد بمقدار 354 شخصاً عن عدد القطريين الذين أدوا مناسك الحج العام الماضي والبالغ 1210 حجاج.
الموقف من «التعاون»
كما تجسد التخبط القطري أيضاً في الموقف من مجلس التعاون الخليجي، من خلال الطعن بالمجلس والاحتماء به، ففي الوقت الذي شن فيه المسؤولون القطريون، ووسائل الإعلام القطرية والممولة منها حملات شعواء على مجلس التعاون الخليجي على مجلس التعاون الخليجي، وسط دعوات مباشرة بالانسحاب من المجلس، أكد سفير قطر لدى إيطاليا عبدالعزيز المالكي، رداً على سؤال حول إمكانية التصعيد العسكري مع الدول الداعية لوقف تمويل الإرهاب خلال مقابلة أجراها مع التلفزيون الإيطالي: «لا أعتقد ذلك، لأننا جميعاً ننتمي إلى مجلس التعاون الخليجي، وقطر دولة مؤسسة للمجلس».
وأثار ذلك استغراب متابعي الأزمة مع الدوحة، بسبب التناقض الفاضح بين ما تروج له قطر في الداخل بهجومها على المجلس واحتمائها به في الخارج وهو ما عبر عنه سفيرها في إيطاليا، علماً أن وسائل إعلام قطر، والممولة منها واصلت أمس هجومها على مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحت عناوين مثل «ما فائدة مجلس التعاون؟»، وذلك بهدف تنفير الشعب القطري من محيطه الخليجي وقطع صلات القربى تمهيداً لمزيد من الارتماء القطري في أحضان إيران.
ويأتي تصريح السفير بعد أيام من الفضيحة التي فجرها سفير إيراني سابق في قطر، والذي كشف أن تميم بن حمد كان على وشك إعلان الانسحاب من مجلس التعاون غير أنه أرجأ هذه الخطوة.
وقال مراقبون إن هذه الوقائع تؤكد مرة أخرى للعالم العربي وللدول الداعية لمكافحة الإرهاب أن خيار قطع العلاقات مع قطر كان صحيحاً وضرورة لحماية الأمن الخليجي والعربي، وأن التعاون القطري الإيراني كان ولا يزال قائماً بين الطرفين.
ولعل الظروف الآن أتاحت أن تكشف عن هذا التعاون والتنسيق بين قوى الشر في المنطقة، مؤكدين أن منطقة الخليج اليوم أمام معطيات جديدة، وهي أن دولة مارقة تريد زعزعة الاستقرار في المنطقة والتعاون مع الدولة الأكثر شراً في العالم.
وتظهر المحاولات القطرية في تشويه صورة المجلس ومحاولة خطف الشعب القطري من منظومته الخليجية أن الحملة التي تشنها أبواق الحمدين على مجلس التعاون، مبرمجة منذ ما قبل الأزمة.
وواصل السفير القطري في روما نهج نظامه في محاولة شراء المواقف عبر الاستثمارات. وقال إن بلاده ستواصل استثماراتها في كافة البلدان الأجنبية، مذكراً إيطاليا بأن لقطر في سردينيا عدة مشاريع، وأن كل هذه المشاريع هي عبارة عن "مرحلة أولى".
تأثيرات المقاطعة
وتجسد الكذب المفضوح الذي يزيد من رصيد تنظيم الحمدين في التزوير، في التناقض الكبير لتصريحات المسؤولين القطريين بشأن تأثيرات المقاطعة على الوضع الاقتصادي. ففي الوقت الذي يتفاخر فيه تنظيم الحمدين في الداخل بأن إجراءات الدول الداعية لمكافحة الإرهاب لم تؤثر في قطر واقتصادها، واصل المسؤولون القطريون في الخارج شن حملات التسول والاستجداء والصراخ من تأثيرات التدابير التي اتخذتها الدول الداعية لمكافحة الإرهاب.
مؤتمر عن مستقبل قطر في لندن منتصف سبتمبر
مع استمرار الأزمة القطرية وتداعياتها السياسية والاقتصادية الواسعة، تستضيف لندن، في الـ14 من الشهر المقبل، أول مؤتمر عن الأزمة يستشرف الأوضاع والآفاق المستقبلية للعلاقات، بمشاركة المعارضة القطرية وشخصيات رفيعة من الوسط الدبلوماسي والأكاديمي.
ويشارك في المؤتمر عدد كبير من الشخصيات السياسية العربية والعالمية، والمهتمين بشؤون المنطقة من أكاديميين وإعلاميين، ومن القطريين، ممن سيتباحثون في مستقبل قطر، في ضوء الأزمة التي مر عليها أكثر من ثلاثة أشهر.
وعن الأزمة، صرّح البرلماني البريطاني دانيال كافتشينسكي، والعضو السابق في اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية، الذي يُعد خبيراً في الشؤون الخليجية، قائلاً: «بالنظر إلى الاتهامات الموجهة إلى قطر، فإن من الأهمية بمكان بالنسبة إلى الساسة والإعلام البريطاني أن يتعرفوا ويتعاونوا مع الحلفاء الخليجيين لتوجيه النداء إلى قطر لإجراء الإصلاحات اللازمة، وتغيير سياساتها التي أدت إلى التوتر»، مضيفاً: «أرحبُ بجهود الجهات المنظمة.
وأعتبر هذا المؤتمر فرصة لمعرفة المزيد عن الأزمة، خاصة بالنظر إلى حجم الاستثمارات الضخمة لقطر في بريطانيا، الذي يتطلب منا أن نكون على ثقة تامة بالمواقف القطرية. كما أنني أعتبر المؤتمر مبادرة فريدة النوع، وفرصة للتعرف إلى آراء الإصلاحيين القطريين من أمثال خالد الهيل».
من جانبه، قال الناطق الرسمي باسم المعارضة القطرية، خالد الهيل، في بيان صحافي: «إننا حريصون على الحضور والمشاركة، فهذا سيكون أهم مؤتمر عن الأزمة، ولا بد أن يسمع العالم صوتنا، فحكومة قطر لا تسمح لأحد بأن يتحدث عن سياساتها أو نشاطاتها في المنطقة».
وأوضح الهيل أنه «يوجد إجماع إقليمي وقلق دولي متزايد من السياسات القطرية الحكومية التي تمثل تهديداً للأمن والاستقرار الدولي، وإذا كان العالم فعلاً يرغب في وضع حد للعنف والإرهاب والفوضى، فلا بد أن يضع حداً للسياسة القطرية الممولة والمحفزة له». يشارك في النقاشات التي ستدوم يومين أطياف سياسية مختلفة ستقدم وجهات نظرها حيال الأزمة.