لم تنجح الآلة الدعائية القطرية وبيوت الخبرة أو مكاتب العلاقات العامة التي استعانت بها الدوحة لتحسين صورتها، والقيام بعملية الإشغال السياسي لصرف الأنظار عن لُب الأزمة الحقيقية الممثلة في السياسات القطرية العدوانية تجاه دول المنطقة، في أن توقف النجاحات التي حققتها الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، والتي نجحت في تحجيم الدور القطري والحد من نفوذ الدوحة التخريبي في العديد من الملفات بالمنطقة، الأمر الذي كانت له آثار إيجابية واضحة ومباشرة على تلك الملفات، سواء في سوريا وليبيا ومصر واليمن وغيرها.

حاولت الدوحة أن تغطي على تلك النجاحات بسياسة الهجوم المضاد ومن خلال آلتها الإعلامية لإحداث اختراق في المجتمع الدولي يُسقط عنها الاتهامات التي تلاحقها بدعم وتمويل الإرهاب، غير أن النار التي أشعلتها قرارات المقاطعة في وجه السياسات القطرية كانت سبّاقة في الإعلان والتنويه عن تلك الممارسات العدائية القطرية تجاه دول المنطقة، وكانت أقوى من أن يتم تداركها بشكل كامل، حتى صارت قطر دولة منبوذة في الإطار الدولي رغم بعض المتعاطفين الذين خدعوا بالدعاية الزائفة أو أصحاب المصلحة هنا أو هناك.

وكدليل دامغ على تلك النجاحات يمكن ملاحظة العديد من التطورات الإيجابية في ملفات مختلفة، من بينها على سبيل المثال الملف السوري، من خلال تأثر المجموعات المسلحة المدعومة قطرياً وحالة التخبط التي انتابتها عقب قرارات المقاطعة والموقف الصلب ضد قطر ودخول مصر بثقلها العربي الكبير على خط التهدئة في الغوطة الشرقية بدمشق، وكذا في ليبيا التي تلوح فيها نذر حظوظ نجاح للعملية السياسية أفضل بكثير من مراحل سابقة في ظل انحسار الدور القطري بفضل قرارات المقاطعة، وفي اليمن، وأيضاً في مصر التي تراجعت فيها العمليات الإرهابية في شمال سيناء بشكل واضح مقارنة بفترات سابقة.

وضعت قرارات المقاطعة دوحة الإرهاب تحت المنظار، وأدركت قطر أن كل تحركاتها صارت مرصودة بصورة غير مسبوقة، ما أسهم في انحسار دورها وتحجيمه في تلك البلدان التي كانت تتخذها مسرحاً لتنفيذ مخططات تدميرية تُحاك لدول المنطقة وتستخدم فيها الدوحة كرأس حربة بالوكالة، لا سيما أن النظام القطري الحالم بالزعامة الزائفة على أرواح واستقرار الشعوب العربية لا يتورع عن ارتكاب الآثام والانحلال من الصف العربي والخروج عنه وعليه ما دام ذلك يخدم على مصالحه، فكان لقمة سائغة لاستخدامها في عملية طعن الأمة العربية من داخلها!

اختراق التدخلات

في هذا الإطار، يرصد أستاذ العلوم السياسية بالقاهرة الدكتور طارق فهمي في تصريح لـ«البيان» أبرز نجاحات دول المقاطعة، مشدداً على أن الدول الداعية لمكافحة الإرهاب نجحت في أن تحدث اختراقاً جيداً من خلال الإعلان عن أن قطر لها يد في كل الأزمات، خصوصاً في ليبيا على سبيل المثال، خاصة أن مصر قدّمت لمجلس الأمن ملفاً بما يتعلق بدور الدوحة في ليبيا، كما أن الممارسات الأخرى موثقة من جانب دول المقاطعة ويتم الإعلان عنها وعن الدور القطري المباشر في العديد من الأزمات، حتى في السودان وجنوب السودان وتشاد وغيرها.

ونجحت الدول الداعية لمكافحة الإرهاب في تحجيم النفوذ القطري والإعلان والتنويه عن الممارسات القطرية في الإقليم بأكمله، حتى صارت الدوحة منبوذة في النطاق الدولي، وفق ما يؤكده الدكتور طارق فهمي، الذي يلفت كذلك إلى محاولات نظام الدوحة للمراوغة في إدارة الأزمة وإحداث اختراقات في بعض المواقف الدولية وممارسة خطة إشغال سياسي، ورغم ذلك نجحت دول المقاطعة في التنويه عن الممارسات القطرية ووقف عمليات التمويل في بعض المناطق بعد هذا النجاح في الإشارة والإعلان عن الدور القطري بوضوح.

خسائر قطرية

وفي مقابل نجاحات الدول الداعية لمكافحة الإرهاب تواصل الدوحة نزيف الخسائر، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل على الصعيد السياسي كذلك، ما دفعها لاتباع خطط للمواجهة من خلال الاعتماد على بيوت خبرة وشركات لتحسين صورة قطر.

ويرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور طارق فهمي أن ما تسعى الدوحة للترويج له بشأن ادّعائها أنها نجحت في كسر المقاطعة «غير صحيح على الإطلاق» وما يؤكد ذلك الخسائر التي مني بها الاقتصاد القطري على سبيل المثال، والتوقعات السلبية من كبريات المؤسسات المالية الدولية.

وفي إطار تطويق الدور القطري التخريبي وتحجيم نفوذ الدوحة، ثمة تطورات إيجابية تدفع العديد من الأزمات لطريق الحل وتعزز المسار السياسي. وفي ليبيا على سبيل المثال هنالك آمال كبيرة تنتاب الليبيين بصورة أكبر من أي وقت مضى عقب انتزاع الدور القطري من الملف، لاسيما أن الدوحة كانت داعمة وبقوة للعناصر والمجموعات المتطرفة التي كانت تسهم في تعقيد الملف الليبي وزيادة الضبابية عليه، حتى صار ملفاً مستعصياً إلى أن حضرت المقاطعة فانحسر الدور القطري فتنفس الليبيون الصعداء آملين في الخلاص.

انحسار في ليبيا

ويشرح المحلل السياسي الليبي عبد الحكيم معتوق، طبيعة تلك النجاحات التي تحققت بفضل جهود دول المقاطعة في تحجيم الدور القطري في بلاده، بالحديث في تصريح لـ«البيان» عن انحسار واضح للدور القطري عقب القطيعة الخليجية العربية، والذي اعتبره يساعد بشكل كبير على عدم تقويض العملية السياسية التي ما انفكت الدوحة تدعم عملية التقويض تلك من خلال سعيها الدؤوب في إشراك الإسلام السياسي الممثل في تنظيم الإخوان في أي اتفاق، بعد فشلهم الذريع في إدارة البلد على مدى سنوات ونجاحهم زوراً في الانتخابات وانقلابهم على الانتخابات التي تلتها بقوة السلاح وبدعم مالي ولوجيستي صريح من قطر من خلال ميليشيا ما يعرف بـ«فجر ليبيا» التي قامت بجرائم حرب كحرق مطار طرابلس وانتهاك الحق الإنساني بافتعالها حروباً في العديد من المدن الليبية، وهذا كله بتدبير من الدوحة التي تحتضن رموز ذلك التنظيم وأبرزهم علي الصلابي.

وما ساهم في تحجيم دور الدوحة المتغيرات الدولية التي حدثت والقرارات الدولية التي صدرت بشأن محاربة الإرهاب والذي يعد تنظيم الإخوان وما تفرع عنه من تنظيمات تكفيرية مسلحة أخرى أهم صانعيه، وبتجفيف منابع تمويله التي تعتبر قطر في مقدمة داعميه، سواء من خلال المال السياسي الفاسد أو تبرير جرائمه لجهة ما تقدمه «قناة الجزيرة القطرية» الذراع الإعلامية لذلك المشروع.

كل تلك المعطيات مجتمعة، فضلاً عن استمرار المقاطعة لناحية تعنت قطر وانتهاجها منطق المكابرة والمكايدة السياسية على خلفية حزمة من الحقائق الدامغة التي أثبتت تورطها «ستكون حظوظ نجاح العملية السياسية أفضل بكثير» -بحسب ما يؤكده معتوق في معرض تصريحاته لـ«البيان»- خاصة أن المبعوث الأممي الجديد في ليبيا أكد في آخر إحاطة له وجهها إلى مجلس الأمن على ضرورة تحجيم دور الدول التي تتدخل في الشأن الليبي على حساب جهود الأمم المتحدة، في إشارة صريحة إلى الدور القطري المشبوه.

الإرهاب في سيناء

وفي سياق متصل، ورغم هدوء واستقرار الأوضاع في مصر بصورة كبيرة، إلا أن العناصر الإرهابية ما فتئت تنفذ عمليات إرهابية في شمال سيناء على وجه الخصوص، مدعومة بما تتحصل عليه من دعم من الدوحة، وهو الدعم الذي تثبته التحقيقات في عدد من القضايا من بينها عملية اغتيال النائب العام المصري المستشار هشام بركات على سبيل المثال.

غير أن نوعية وعدد تلك العمليات المتفرقة قد تراجعت وانحسرت بصورة كبيرة بعد عملية المقاطعة التي أدت لانحسار الدور القطري. وربط محللون مصريون بين تراجع العمليات الإرهابية في سيناء وبين تلك النجاحات المحققة من قبل الدول الداعية لمكافحة الإرهاب.

يشير مدير إدارة الشؤون المعنوية الأسبق بالقوات المسلحة المصرية اللواء سمير فرج، إلى النجاحات الواضحة التي حققتها الدول الداعية لمكافحة الإرهاب في إطار انتزاع الملفات التي تتدخل فيها قطر عبر تحجيم النفوذ القطري في العديد من الملفات من بينها الملف السوري والليبي واليمني وفي مصر والعراق أيضاً.

مشدداً على أنه يمكن ملاحظة تطورات إيجابية في تلك الملفات عقب قرارات مقاطعة قطر؛ فالدوحة تمول الإرهاب والعناصر والكيانات الإرهابية في تلك الدول، وبعد انكشاف أمرها أمام باقي دول المنطقة ستكون حريصة جداً في ذلك التمويل وربما تلجأ لوقفه بصورة تامة.

واتضحت تلك التأثيرات الإيجابية لمقاطعة قطر بصورة مباشرة على سبيل المثال على الأوضاع في سيناء، حيث تلاحظ قلة عدد العمليات الإرهابية بصورة واضحة بالمقارنة بفترات سابقة، حسب تحليل اللواء سمير فرج، والذي رأى أن الحال نفسه ينطبق على الأوضاع في سوريا واليمن وغيرها من البلدان التي تدعم الدوحة فيها الإرهاب. ويفيد فرج بأن الدوحة تسعى في الوقت الحالي لكسب الوقت من أجل أن تتيح الفرصة لمكاتب العلاقات العامة التي استأجرتها في الخارج لتنفيذ حملتها الدعائية لتحسين صورة قطر واستعادة هيبتها المفقودة.

الملف السوري

كما لم يكن الملف السوري بمنأى عن حصد نتاج ثمار المقاطعة ونجاحات دول المقاطعة في تحجيم نفوذ قطر في الملف السوري بصورة واضحة، فمع تحجيم دور الدوحة انقطعت أو تراجعت سبل الدعم المقدم إلى العناصر والجماعات المتطرفة المسلحة في سوريا.

وهنا يعتبر المعارض السوري القيادي بمنصة القاهرة فراس الخالدي في تصريح لـ«البيان» أن المقاطعة أثرت إيجاباً على القضية السورية من ناحية وقف دعم المعرقلين بصفوف المعارضة.

وبينما يشدد في سياق متصل على ضرورة عودة قطر إلى الصف العربي ورأب الصدع في مواجهة المشروع الإيراني الفارسي في المنطقة، يرى أن قطر كان لها دور على الصعيد العسكري أيضاً، وهنالك العديد من الأمور التي لم تكن مقبولة من بينها اتفاق المدن الأربع.

وكذا يتحدث القانوني السوري الدكتور أنور المشرف عما سمّاه بـ«التطور الإيجابي» الحادث في الملف السوري، الذي اعتبر أن من ضمن أسبابه هو تحجيم الدور القطري بصورة كبيرة في الملف السوري عقب قرارات المقاطعة.

ويعتبر أن دول المقاطعة حققت نجاحات هائلة في ذلك الصدد، لا سيما أن قطر كانت تدعم مجموعات إرهابية مسلحة في سوريا، ما دفع إلى إيجاد حالة تخبط واسعة جداً وملحوظة داخل تلك الفصائل مثل أحرار الشام وجبهة النصرة إثر ما هو ملحوظ من تراجع الدعم عقب تحجيم الدور القطري بصورة واضحة، لا سيما أن الدوحة تحت المنظار حالياً بصورة كبيرة.

غسل السمعة

ومع ذلك التحجيم الواضح للدور القطري تبحث الدوحة عن وسائل وخيارات نفاذ أخرى، وتستغل في ذلك الصدد ما تم الكشف عنه من استعانة قطر بمكاتب وشركات لتحسين الصورة وعمل دعاية سياسية لها في المجتمع الدولي في محاولة لكسب التعاطف، ومواصلة نهج مساعي تزييف الصورة، ذلك في إطار سياسة الهجوم المضاد التي تتبعها دوحة الإرهاب للتغطية على الجرائم التي ارتكبتها في تلك الدول التي تم تقزيم وتحجيم دورها فيها بفضل جهود الرباعي العربي على شتى الصعد.

وتستخدم قطر -وفق تعبير البرلماني المصري أمين لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب طارق الخولي- كل أدواتها في إطار محاولة التغلب على الرباعي العربي، وتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي ومعالجة الآثار التي خلفتها المقاطعة والموقف المتخذ من السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضدها، غير أنه يعتبر أن تلك المحاولات لغسل السمعة أو تحسين الصورة لن تنجح في ذلك الصدد، مشدداً على أن الدوحة تعيش حالة من الارتباك الشديد، وهي حالة واضحة في تعاملاتها وتحركاتها المختلفة فيما يتعلق بأزمتها الراهنة.

دور الإعلام

في تصريح لـ«البيان»، عوّل القانوني المصري سمير صبري على دور الإعلام المُهم في مواجهة الدعاية التي تسعى الدوحة لنشرها لتحسين سمعتها في وتحسين صورتها. وشدد على أن الإعلام يجب أن يمتلك أدواته المنظمة التي يمكن من خلالها أن يواجه الدور القطري بشكل حازم، لإحباط محاولات الدوحة.

تحجيم نفوذ الدوحة في اليمن

نجحت الدول الداعية لمكافحة الإرهاب في تحجيم نفوذ الدوحة في الملف اليمني، لا سيما في ظل ما تم الكشف عنه من دور مشبوه لقطر كان معطّلاً لجهود التحالف الدولي، لعبت خلاله الدوحة دور «الجاسوس» على التحالف العربي لصالح الانقلابيين.

وجراء المقاطعة كان هنالك انعكاسات تكتب فصلاً من فصول نجاحات الدول الداعية لمكافحة الإرهاب في إطار تحجيمها للدور القطري، يتعلق في الأساس بالانعكاس الطبيعي الذي أفرزته المقاطعة على التحركات على الأرض في اليمن، حسبما يوضح المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل في تصريحات لـ«البيان»، شدد فيها على أن أي ترتيب يأتي في إطار التحالف العربي يؤكد على هدف التحالف في الداخل اليمني وهو هزيمة الانقلاب واستعادة الشرعية ومحاربة الإرهاب بكل صوره وأشكاله، إذ لم يكن تدخل التحالف فقط من أجل استعادة الشرعية في اليمن ولكن لمحاربة الإرهاب بكل صوره كذلك.

الموقف من قطر -وفق إسماعيل- يؤثر تأثيراً إيجايباً، ويضغط على الأدوات القطرية في اليمن ويحد من تأثيراتها. ويؤكد على أن الدوحة كانت تسهم في بعض الخلخلة هنا أو هناك، وكانت الحكومة اليمنية واضحة في تأكيداتها على أن قطر لها ذراع في دعم الحوثيين والتعاون معهم، مشدداً على أن ما حدث على سبيل المثال في شبوة وصرواح في اليمن بمساعدة ودور كبير من القوات الإماراتية يدل على أن التحالف الآن صار أكثر فاعلية.