أن تقدم دولة تشاد على قرارات تعد في الدبلوماسية من الحجم الكبير مع دولة عربية، فذلك يعني أن حكومة إدريس ديبي الساعية إلى إعادة توطين اللغة العربية في تشاد وإعادة هذه البلاد إلى محيطها العربي الذي ابتعدت عنه سنوات عديدة، بلغت ما بلغت من سوء الممارسات القطرية، فإنجامينا سعت منذ زمن ليس بالقليل لتنبيه الدوحة إلى خطورة ما تقوم به من أعمال في ليبيا.

وتأثير ذلك في الأمن القومي التشادي، غير أن تنظيم الحمدين ونظامه لم يعيرا شكاوى هذا البلد أي اهتمام، بل شرعا في مكابرة معهودة إلى عمل جديد يستهدف بصورة مباشرة زعزعة الاستقرار وإسقاط نظام الحكم هناك، عبر دعم المعارضات المناوئة لإدريس ديبي، وقدمت للمعارضة المأوى علناً والسلاح سراً، بهدف الانتقام من موقف الرئيس التشادي من الجماعات الإرهابية في مالي.

وبحسب المراقبين، فإن موقف إنجامينا جاء إثر حصولها على أدلة دامغة تثبت تورط النظام القطري في إيواء عناصر من المعارضة الراديكالية التشادية في الدوحة، وفي تمويل وتسليح عناصر المعارضة التشادية داخل الأراضي الليبية، وإيعازه إلى حلفائه في ليبيا بالتعاون مع المسلحين التشاديين والاستفادة منهم كمرتزقة في الحرب على المؤسسات الشرعية، وكذلك إعدادهم لتنفيذ مخططات إرهابية في داخل تشاد.

وقال وزير الخارجية التشادي إبراهيم حسين طه إن بلاده اتخذت قرار إغلاق السفارة القطرية وطرد دبلوماسيي قطر، بسبب «أعمال تقوم بها الدوحة ضد الاستقرار في تشاد»، لافتاً إلى إن قطر لها علاقات خفية وغير حفية مع جماعات في ليبيا تنفذ أعمالاً عدائية في تشاد، مشيراً إلى أن «الهجوم الذي تم الأسبوع الماضي على حدودنا مع ليبيا قد جاء بالتأكيد من هذه الجماعات»، وفق تعبيره.

انتقام

وتتهم السلطات التشادية نظام الدوحة بتحويل الأراضي الليبية إلى مصدر لترويع دول الجوار في ظل التحالف القائم بين الإرهابيين والمرتزقة المدعومين قطرياً، بينما يرى محللون سياسيون أن الدوحة بدأت التآمر على نظام الرئيس إدريس دبي إثنو منذ قراره إرسال 2000 من جنوده لقتال الإرهابيين جنباً إلى جنب مع القوات الفرنسية في شمالي مالي في مهمة اعترض عليها القطريون.

واندماج الرئيس ديبي في مشروع السلام بدارفور وفي الحرب على التطرف في أفريقيا الوسطى ومالي، واتجاهه إلى بناء جيش قوي يجعله قادراً على مواجهة الجماعات الإرهابية المدعومة قطرياً في منطقة الساحل الصحراء.

وتتهم إنجامينا النظام القطري بإيواء معارضين متشددين في الدوحة، وفي 2010 قالت المعارضة التشادية إنها تشترط حضور قطر ضامن سلام في الاتفاق مع الحكومة المركزية، وأكد محمد شريف جاكو، المفتش العام للمعارضة التشادية آنذاك: «أن المعارضة التشادية طلبت ضمانات دولية وإقليمية من أجل تحقيق سلام في الدولة التشادية.

ومن بين تلك الضمانات حضور دولة قطر ضامناً لعملية السلام». وفي 22 مارس 2013، أعلن ما يسمى باتحاد قوى المقاومة المسلحة، التي أوقفت القتال بعد اتفاقات السلام الموقّعة بين تشاد والسودان في 2009، استئناف التمرد المسلح ضد الرئيس إدريس ديبي.

وقال تيمان أرديمي، أحد أهم شخصيات التمرد من مقر إقامته في الدوحة: «قررنا استئناف النضال، النضال المسلح بالتأكيد»، وفق تعبيره، وقد كان لافتاً أن تسمح قطر لزعيم فصيل مسلح بإعلان الحرب ضد النظام القائم في بلاده انطلاقاً من أراضيها.

حلفاء قطر

ووفق مصادر تشادية، فإن قطر انتهزت فرصة انتشار الفوضى داخل الأراضي الليبية لتسليح وتمويل متمردين تشاديين، ليتخذوا من الجنوب الليبي منطلقاً لهجومات إرهابية ضد بلادهم، وفي أبريل الماضي بث التلفزيون الحكومي التشادي لقاءات مع بعض أفراد المجموعة المسلحة التي يقودها محمد حامد ويوسف كلوتو، التي أعلنت عودتها إلى «شرعية الدولة التشادية».

وخلال الاعترافات، أكد حامد وكلوتو أنهما عادا برفقة عدد من مسلحي المعارضة إلى شرعية الحكومة في تشاد، بعد مشاركتهم في هجوم مسلحي «سرايا الدفاع عن بنغازي المدعوم من قطر على منطقة الهلال النفطي في مارس الماضي».

وأبرز يوسف كلوتو أنه ورفاقه المسلحين بالمعارضة اتفقوا على القتال ضد تنظيم داعش، ليكتشفوا أنهم يقاتلون كمرتزقة ضد طرف ليبي آخر في قضية غير واضحة لهم، في إشارة إلى تورطهم في القتال ضد الجيش الوطني الليبي الذي تناصبه الدوحة العداء.

دعم بوكو حرام

وأوضح الناطق باسم الجيش الليبي أحمد المسماري «أنه، بعد انطلاق العمليات التي تقودها فرنسا وحلفاؤها الأفارقة في شمالي مالي، بدأت حركة «أزواد» الانفصالية التحالف مع تنظيم القاعدة وجماعة بوكو كرام، وبوصولهم إلى العاصمة المالية باماكو، قام تنظيم القاعدة في ليبيا بدعم الانفصاليين في مالي بالسلاح والأموال.

وتحويل المجهود الحربي للتنظيم في ليبيا لهذا الدعم، في الوقت الذي استعانت فيه فرنسا بقوات إفريقية، وكانت قوات النخبة فيها من القوات الخاصة التشادية، التي يقودها الجنرال محمد إدريس ديبي إتنو، نجل الرئيس التشادي، قوامها ألف جندي من قوات بلاده باتجاه الجبال، شمال شرقي مالي، للانضمام إلى الحملة العسكرية التي تشنها القوات الفرنسية على «المتشددين» في هذه المنطقة.

وتكونت القوة من مائة مركبة مدرعة تشادية، وعربات جيب وشاحنات إمداد من كيدال - البلدة الصحراوية على بعد 1200 كيلومتر إلى الشمال الشرقي من العاصمة باماكو - حيث قامت القوات الفرنسية والتشادية، تدعمها الطائرات الحربية الفرنسية، انطلاقاً من كيدال، بمهاجمة مخابئ المتشددين في سلسلة جبال إدرار أفوغاس على الحدود بين مالي والجزائر»، وهو ما عده مراقبون بداية عداء الدوحة لحكومة إدريس ديبي.